آراء

قراءة في حوادث رمضان: هل يمكن أن تكون القلة قوة ؟ معركة بدر أنموذجاً

فبراير 22, 2026

قراءة في حوادث رمضان: هل يمكن أن تكون القلة قوة ؟ معركة بدر أنموذجاً

دعونا بداية نتساءل في استعراضنا لتاريخنا العربي والإسلامي في رمضان هل تصنع الكثرةُ النصر المؤزر؟ أم أنّ التاريخ أكثر عدلاً ممّا نظن، فيمنح الغلبة والنصر لمن يمتلك “الرؤية الثاقبة والمسار القويم؟.

إنّ في كلّ زمنٍ مضى، نجد أنّه تتكرر المعادلة ذاتها، نجد قوة مادية ضخمة تقف بثقلها أمام جماعة صغيرة يبدو في ظاهرها أضعف من أن تصمد أمام تلك الجيوش الجرارة، لكن المفاجأة في “كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن اللّه” ، فالتاريخ  وخصوصاً حين يُقرأ بعينٍ فاحصة وناقدة لا ينحاز إلى الأرقام، بل إلى المعنى الكامن خلف تلك الأرقام من الأمور المعنوية.

ففي رمضان من السنة الثانية للهجرة، وقف المسلمون عند لحظةٍ مفصلية تمثّلت في معركة بدر الخالدة، والتي لم تكن مجرّد معركة عابرة، بل كانت إعادة تعريف لمفهوم القوة ذاته في حدوده الحقيقية، لذلك لم تكن بدر مواجهة عسكرية بقدر ما كانت اختبارًا للفكرة التالية: هل يمكن لقلةٍ منظمةٍ وواعية أن تُحدث شرخًا ونصراً في جدار الغطرسة و الهيمنة؟.

قد خرج المسلمون من المدينة بعددٍ يقارب الثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، بعتادٍ ورقم محدود، في مواجهة جيش قريش الذي فاقهم عددًا وعدة، فلم يكن الفارق رقميًّا فقط، بل كان نفسيًّا واجتماعياً أيضًا ، فهؤلاء القلة هم من الذين خرجوا من ديارهم مهاجرين ومضطهدين، أمام أولئك المكيّين الذين يمثلون مركز القوة الاقتصادي والسياسي في الجزيرة، ومع ذلك، لم تكن بدر معركة اندفاع عاطفي غير محسوب، بل لحظة تنظيم، ومشاورة، وتوزيع للأدوار، ووضوح للأهداف، فكان القرار محسوبًا، والقيادة بقيادة النبي عليه السلام حاضرة، والصف الداخلي للمسلمين متماسكً، وعندما انتهت المعركة بانتصار المسلمين، ولم يكن الحدث مجرّد هزيمة عسكرية لقريش، بل إعلانًا عن ميلاد قوة سياسية جديدة في الجزيرة العربية، تلك القوة التي تستند إلى الفكرة والرسالة، لا إلى القبيلة والثروة فقط. فعلاً لقد غيّرت بدر ميزان القوة والردع، وكسرت احتكار القوة بأيدي الكثرة، وأعادت رسم خريطة النفوذ في المنطقة في ذلك الزمن البعيد.

واليوم، ونحن نقرأ بدر في زمن المؤسسات الكبرى والتحالفات الضخمة، لطالما وجدنا فرقاً صغيرة استطاعت أن تهزم مؤسسة مترهلة لأنّها امتلكت وضوحاً في الرؤية، وكم من مشروع ناشئ رأيناه تفوق على كياناتٍ عملاقة لأنّه تحرك بخفةٍ ورشاقة وانضباط.

إنّ بدر تعلّمنا أنّ النصر ليس صدفة، وأنّ الإيمان بالفكرة لا يغني عن التخطيط، وأنّ القلة إذا تماسكت وكانت بوصلتها واضحة، يمكن أن تُربك حسابات الأطرافالأقوياء، لذلك في كلّ رمضان، لا نستعيد ذكرى معركة بدر فقط، بل نستعيد قانونًا تاريخيًّا، ويبقى السؤال مفتوحًا الآن  .. هل نمتلك اليوم بقلة عددنا وضوح بدر”  فيمشاريعنا الإصلاحية؟.

شارك

مقالات ذات صلة