آراء
حين يُسألُ هذا السؤال بالتأكيد ستكون الإجابة حين انتهاء شعبان ورؤية هلال شهر رمضان، لكنها إجابةٌ ظاهرية، مثل أن نسأل أينَ تجاه القبلة، فيشير لك أحدهم إلى الشرق مثلاً، لكنَّ قبلة القلب هي أن يكون الله عز وجلّ فيه في كل وقت ومكان، فتصبح كل اتجاهاتك مباركة، فتشعر بنفحات الآية الكريمة ” فأينما تُولّوا فثمَّ وجه الله”. أعودُ للسؤال الأول متى يبدأ رمضان؟ أقول لك من اللحظة الأولى التي تعطي فيها الله كلَّك، يعني لو دخل رمضان وأنت لست بتلك التهيئة فإنّ رمضان بدأ فقط في ظاهر التقويم الفلكيّ، أمّا تقويمكَ الروحيّ فلم يبدأ به، وهذه نقطة حسّاسة. يرتبط رمضان بالفانوس والزينة المضيئة ومائدة الطعام المزيّنة وأصناف الحلويات المختلفة، لكننا في غزّة عشنا رمضانين بدون أيٍّ من تلك الاعتبارات الظاهريّة، فتجلّى رمضان بحقيقته الروحيّة أكثر، ماذا يعني أن تزيّن سقف منزلك ومائدتك، بينما قلبك مليء بالضغينة والشحناء، وروحك لا تستطيع أن تتذوق قرب الله عزوجل، ويظلّ يؤرقك مسألة عدم ضبط نيّتك الله في كل أقوالك وأفعالك! شهر رمضان هو رسالة حبٍّ من الله عزّوجلّ لعبده المؤمن، فالله عزّوجل غنيٌّ عن عباداتنا وصومنا وصلاتنا، فنحن الفقراء إليه، لكنه كأنما يقول لعبده (اقتربْ فقد اشتقتُ إليك) هكذا أفهم رمضان وهكذا أحسُّه. الحقيقة في ماهية الصوم دائماً أستحضر هذه الآية البديعة ” فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما” فجعل الصوم هنا عدم الكلام دفاعاً عن نفسها وليس مثلاً أنّها تغتاب حاشاها أو تقع في زلّات قولية، فلم يقل الله عزّوجل (صمتا)، بل قال (صوما)، وكأنّ السكوت عن الكلام من أجل الله هو صوم، وبالتالي فإنّ كل حركة ظاهرية أو باطنية يمكن أن يتحقق عبرها مفهوم الصوم، وأنّ الصوم الحقيقي يبدأ من الداخل إلى الخارج أي من الروح إلى الجسد، فالكلمات مرتبطة بالروح، والطعام مرتبط بالجسد. وإذا أردت أن أتأمل أكثر في ماهية الصوم، فهنالك صوم للعين، حين لا تنظر للمحرمات، وصوم للأذن حين لا تستمع لمجالس الغيبة وغيرها مما حرم الله، وصوم للأنف حين لا يستلذ بشمّ ما يثير الشهوات في غير ما أحلّ الله، وصوم للجلد، حين لا يلمس ما حرّم الله، وصوم للخطوة حين لا تمشي في مسالك الشيطان، وصوم لليد حين لا تعطي رياءً ولا تفسد في الأرض، وصوم للبطن حين لا يأكل حراماً، وصوم للشفتين حين لا تتكلمان إلا بما يرضي الله وتمتنعان عن قول ما يغضبه وهكذا. أمّا صوم القلب فهو صومٌ أشدّ، لأنّه محطُّ النيّة، وصومُ النيّة هو امتناعها عن كل سلوك معنوي أو مادي لا يكون لوجه الله عزّوجلّ، وألا يمسّه سوء الظن، ولا يتربع على عرشه الحسد، والكثير من الأمراض النفسية والتي تأخذ القلب مستقرّاً لها، أمّا صوم الجسد عن الطعام فهو درجة أقل ممّا ذكرته سابقاً، فصوم القلب أعلى الدرجات، وصوم الجسد أدناها، لماذا؟ لأنّ صوم الجسد عن الطعام كحالة فردية أحادية، حتى البهائم تستطيعه، بل ويمكن أن تتفوق بها على الإنسان، وأكبر مثال على ذلك (الجمل) والذي يستطيع أن يصوم عن الطعام بشكل متواصل من 11 إلى 17 يوماً. ولكنّ الصّيام هو منحة من الله عزّوجل للتفكّر في حقيقته، ويستطيع المؤمن أن يتذوق هذا التكامل الجميل بين الروح والجسد، فكما يفسدُ تناولُ الطعامِ الصومَ في نهار رمضان، فإنّ كل سلوك سيء ظاهري وباطني يفسد الروح. وكل عام وأنتم بخير، وصلى الله على سيدنا محمد بن عبد الله، السراج المنير، الهادي الأمير، مَنْ يصبحُ به كلُّ أمرٍ عسير يسير بإذن العزيز القدير وعلى آله وصحبه وسلم.