Blog
عابد محمد
تحوّل مخيّم الهول على مدار سنوات إلى نموذجٍ معقّد لتداخل السياسة بالأمن بالعمل الإنساني، وحتى الفساد أحياناً، وبين أرقام متضاربة، وإدارات متعاقبة، انتهى المخيّم فعلياً بعد سلسلةٍ من الأحداث، وخصوصاً بعد إعلان الحكومة العراقية استكمال عملية نقل سجناء تنظيم “داعش” من السجون التي كانت تحت سيطرة قسد والتحالف، في حين لم تغادر عوائل المقاتلين المرتبطين بالتنظيم المخيم.
فكيف بدأ نشوء المخيم، وكيف انتهت قصته؟
أُنشِئ مخيّم الهول في الأساس مع بدء نزوح عراقيين إلى الأراضي السورية عام 2004، قبل ظهور قوات سوريا الديمقراطية قوة مسيطرة في المنطقة. لاحقاً، ومع توسّع العمليات العسكرية في الشرق السوري، لجأ إليه سوريون هاربون من حملات التحالف الدولي وروسيا وإيران.
أمّا آخر موجات الدخول الكبرى إلى المخيّم، فكانت عقب هجوم “قسد” المدعومة من التحالف على الباغوز عام 2019، حيث نُقلت إليه عائلات مقاتلي تنظيم داعش، إلى جانب آلاف المدنيين.
قدّرت الأمم المتحدة عدد قاطني المخيّم بأكثر من 24 ألف شخص، وهو الرقم الذي تبنّته “قسد” عند إعلان انسحابها من المخيّم، مشيرة إلى أن العدد يشمل نحو 15 ألف سوري، و3,500 عراقي، و6,200 أجنبي.
إلا أنّ هذه الأرقام وُصفت بغير الدقيقة، بحسب مطّلعين على أوضاع المخيّم، حيث أظهرت تقديرات داخلية استناداً إلى شهادات موجودين فيه أنّ العدد الحقيقي كان أقرب إلى 5 آلاف عائلة. وبحسب شاهد فضل عدم ذكر اسمه، فإنّ تضخيم الأرقام كان يخدم في زيادة حجم المساعدات الدولية، التي كانت تمر عبر قنوات خاضعة لسيطرة “قسد”، ويُعاد توجيه جزء كبير منها ضمن شبكات فساد.
منذ عام 2017، بدأت “قسد” بالتعامل مع مخيّم الهول كمعتقلٍ فعلي. فكلّ سوري نازح من المنطقة الشرقية كان يُجبر على الدخول إليه، دون السماح بالمغادرة إلا بشروطٍ قاسية، أبرزها دفع رشى مالية، وتأمين كفيل كردي.
وخلال العامين الأخيرين قبل الانسحاب، تحوّل المخيّم إلى “دجاجة بيّاضة”، إذ فُرضت تسعيرة ثابتة لخروج أيّ عائلة سواء كانت من عائلات مقاتلي داعش أم لا، وتراوحت المبالغ بين 3 آلاف و5 آلاف دولار تُدفع لعناصر من “قسد”، بحسب ما أفاد شهود اضطروا لمغادرة المخيّم بعد معارك الباغوز عام 2019.
إذ لم يكن المخيّم يعاني من نقص في المساعدات، بل من فائض في الفساد، وغياب كامل لأي مساءلة، فتحوّل من مخيّمٍ إلى فراغٍ أمني مؤجل!
ضمّ المخيم خليطاً من السوريين والعراقيين، إضافة إلى نساء مهاجرات أجنبيات. وقد نُقل جميع الشبان، سواء ثبت انتماؤهم لتنظيم داعش أم لا، إلى سجون مثل الشدادي وغويران والرقة، ولم يبقَ في المخيم سوى النساء والأطفال.
وبحسب شهادات متطابقة، كان التعامل داخل المخيم قائماً على طبقات، حيث يعامل السوريون والعراقيون بطريقةٍ أفضل ممّا كانت تعامل به المهاجرات وأطفالهنّ، حيث تعرضوا لقسوة مبالغ بها.
فقد مُنعت النساء من حيازة أدوات حادة، حتى السكاكين، واضطررن لاستخدام أغطية بلاستيكية لتقطيع الطعام. كما كانت دوريات “قسد” تنفذ مداهمات يومية وعشوائية بحجة البحث عن أسلحة مخبأة، وسط شكاوى مستمرة من سوء المعاملة.
بعد إطلاق الدولة السورية عملية عسكرية لاستعادة السطيرة على مناطق شرق الفرات، والتهاوي السريع لقوات قسد، كان من المفترض، وفق اتفاق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي، أن تُسلَّم إدارة المخيم للحكومة السورية مع ضمان حمايته وضبطه. إلا أنّ ما حدث فعلياً هو انسحاب “قسد” قبل تنفيذ عملية التسليم.
تضاربت الروايات حول مدة الفراغ الإداري، لكن التقديرات تشير إلى نحو 12 ساعة، استغلتها آلاف العائلات للخروج من المخيّم. وعند دخول الحكومة السورية، استغرق الأمر يومين للسيطرة عليه، بسبب غياب أيّ ملفات أو بيانات.
بدأت الحكومة السورية التنسيق مع منظمة التنمية السورية لإجراء إحصاء شامل يعتمد على نظام البصمة. وأسفر الإحصاء عن وجود أكثر من 7 آلاف شخص، ضمن نحو ألفي عائلة فقط.
كما تبيّن أنّ ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف عائلة كانت قد غادرت المخيم خلال فترة الفراغ. وكشف الإحصاء أيضاً عن تلاعب واسع في البيانات المقدّمة سابقاً للمفوضية، حيث كانت بعض الأمهات تسجل أطفالها بأسماء أو صفات قرابة غير حقيقية، والدافع وراء ذلك الخوف من تعامل التنظيم مع الأطفال حين يكبرون.
حيث أفادت شهادات من داخل المخيم بأنّ أطفال المهاجرات، عند بلوغهم سن 12 عاماً، كانوا يُؤخذون إلى جهات مجهولة، دون أيّ معلومات لاحقة عن مصيرهم، حتى بعد سيطرة الحكومة على السجون التي كانت تضم مقاتلي التنظيم.
والأسوأ كان عند دخول وزارة الصحة السورية إلى المخيم، حيث وُصف الوضع الصحي بأنّه كارثي، مع وجود حالات مرضية مزمنة منذ سنوات دون علاج، وانعدام شبه كامل للتعليم.
وفي مخيم المهاجرات، أكدت شهادة طبية أنّ نسب الأمراض كانت أعلى بكثيرٍ من بقية الأقسام، ما يشير إلى تجاهل صحي متعمّد، رغم وجود أمراض خطيرة تستدعي تدخلاً عاجلاً.
ومع خروج عددٍ من العوائل من المخيم، وعدم تمكن عوائل أخرى من المغادرة، شهد المخيم حالة من الغضب، والمطالبات بإنهاء المخيم والسماح للجميع بالمغادرة، لتنفجر بمظاهرة بالتزامن مع زيارة وفد من مفوضية اللاجئين من دمشق إلى المخيّم، شهدت هتافات طالت المنسقة الميدانية لمكتب المفوضية في المنطقة، والتي كانت تعمل بالتنسيق مع قسد، إضافة إلى مدير منظمة “بلومونت”، حيث اتهمهما المتظاهرون بالفساد، وحملوهما مسؤولية خروج عوائل من المخيم، حتى في مرحلة ما قبل انسحاب قسد منه.
ما دفع الأمم المتحدة لسحب موظفيها من المخيّم، والإعلان عن توقف خدماتها داخل المخيّم لحين عودة استتاب الأمن، وخصوصاً أنّ الاحتجاجات شملت اعتداءات على مبان إدارية في المخيّم، ورشق بالحجارة لسيارات الأمم المتحدة، بحسب ما أظهرت فيديوهات انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي.
في اليوم التالي للتظاهرات، انتشرت إشاعة داخل المخيّم مفادها أنّ الحكومة السورية انسحبت وأنّ “قسد” عادت للسيطرة عليه. وذكر شهود—فضلوا عدم ذكر أسمائهم—أنّ أشخاصاً جابوا المخيّم داعين الناس للخروج فوراً، ما أدى إلى خروج معظم من تبقى فيه. وتشير تقديرات إلى أنّ “قسد” كانت من الأطراف المستفيدة من هذه الفوضى.
كما ذكر حساب “زين العابدين” على منصة “إكس” أنّ شبكات مرتبطة بتنظيم داعش تولت نقل النساء المهاجرات من المخيم إلى مضافات خاصة ريف حلب الشرقي، أو دير الزور والرقة، إمّا عبر شبكات تهريب، أو الفتحات الموجودة في سور المخيم، مستغلة حالة الفوضى، وانسحاب الأمم المتحدة، وتخلي التحالف.
دفعت هذه التطورات الحكومة السورية بأخذ قرار بنقل من تبقى من العائلات إلى مخيّم في ريف حلب الشمالي، لتنتهي قصة مخيّم الهول فعلياً، ولم يبقَ فيه سوى العائلات العراقية التي تنتظر إجلاءها إلى العراق، ليُغلق فصلٌ طويل من الفوضى، وشبكات الفساد، ويُفتح بابٌ جديد على سؤال المرحلة القادمة، وخصوصاً مع التقدّم البطيء في اتفاق اندماج قسد.

