آراء
عزيزي القارئ، أكتب إليك هذا النص وأنا أتأمل في تعريفات الأشياء مِن حولي. المقهى مثلًا بدا لي ساحة لترويض الخيبات بالانتظار، أمّا الشاي فأهمّ رشفة هي الأُولى في الصباح، كأنه علاج من ثقل الوقت، والقهوة التي أفشل دائمًا في عقد صداقة معها. كلما نهشت الحياة من قلبي وقضمت الحوادث فؤادي وناجيت روحي عن بلدي وشوقي القديم، و«كم منزلٍ في الأرضِ يألَفُه الفتى، وحنينُه دومًا لأوَّلِ منزلِ»، أدركت كيف تحرم الغربة والأسفار الإنسان من أحبّائه، ويكون مُبعَدًا وحيدًا ويعيش «مثل السيف فردًا»، يحمل أحزان روحه ويشيب قبل الأوان. ماذا يؤنس الغريب إلا العيش في ظلال النصوص العظيمة والأدب الراقي؟ لعله يهدأ قليلًا. هذه قطوف منوعة من حديقة الأدب العربي.
أبدأ من كتاب «البصائر والذخائر» للتوحيدي، وأحبّ النصوص التي فيها ذِكر لردّ فِعل المتلقي، مثل هذا الخبر مع الأعرابي، عندما سمع قول علي بن عبيدة: العقل ملك والخصال رعيته، فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها… فقال الأعرابي: هذا كلام يقطر عسله.
وقصة الجاحظ مع بيت أبي العتاهية:
يا للشباب المرح التصابي/روائح الجنة في الشباب!
قال الجاحظ للمنشد: «قف». ثم قال: «انظروا إلى قوله: “روائح الجنة”، فإنّ له معنى كمعنى الطرب الذي لا يقدر على معرفته إلا القلوب، وتعجز عن ترجمته الألسنة إلا بعد تطويل وإدامة تفكير».
***
قيل لأرسطو: ما بال الحسدة يحزنون أبدًا؟
فقال: لأنهم لا يحسدون لما ينزل بهم من الشرّ فقط، بل بما ينال الناس من الخير.
***
مدَح رجلٌ الخليفة هشام بن عبد الملك، فقال له هشام: «يا هذا، إنه قد نُهي عن مدح الرجل في وجهه»، فقال له: «ما مدحتك، وإنما ذكّرتُك نِعَمَ الله عليك لِتُجدِّد له شكرًا»، فقال له هشام: «هذا أحسنُ من المدح»، وأمَر له بِصِلةٍ وأكرمه.
***
قال معاويةُ لِصَعْصَعة بن صوحان: «صِف لي الناس»، فقال: «خلَق الله الناس أطوارًا، فطائفةٌ للعبادة، وطائفةٌ للسياسة، وطائفةٌ للفقه والسُّنّة، وطائفةٌ للبأس والنجدة، وطائفةٌ للصنائع والحِرَف، وآخرون بين ذلك يُكدّرون الماء ويُغلون السعر».
***
قلوب لا تعرف الرشوة..
قال السرخسي: سمعت الكندي يقول: قال أبقراط: سلوا القلوب عن المودّات فإنها شهود لا تقبل الرُّشى.
***
قال ابن عباس: الخط لسان اليد.
وعلى ذكر جمال الخط، قرأت أن أمير الشعراء أحمد شوقي كان يحبّ الخط الجميل، فكان إذا ورد إليه كتاب (خطاب) ينظر فيه، فإذا كان خطه رديئًا قال لسكرتيره: «اقرأه أنت، وأبقه عندك، وذكِّرني به بعد»، حتى ولو كان هذا الكتاب من عند صديق. أما إذا كان الخط حسنًا فإنه عندئذ كان يقرؤه بنفسه، ويُثني على كاتبه، وربما حمل هذا الخطاب أكثر من يومين في جيبه، وربما عاد فنظر إليه أكثر من مرة، ولو كان من سائل.
قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
إِنَّ الحياةَ نهارٌ أو سحابَتُهُ… فعِشْ نهارَكَ مِنْ دنياكَ إِنسانا
أرى الكريمَ بِوِجدانٍ وعاطفةٍ… ولا أرى لِبخيلِ القومِ وِجْدانا
قال عارف حجاوي عن هذا البيت: «لم أجد شعرًا قَسَا على البخيل قسوة هذا البيت: البخيل لا وجدان له».
***
وهذه مختارات من «العقد الفريد» لابن عبد ربه، قرأتها وانتقيتها لك، لتسمع صوت العرب في حركتهم وأدبهم:
قالت أعرابية لابنها: «يا بنيّ، إنّ سؤالك الناس ما في أيديهم أشدّ من الافتقار إليهم، ومَن افتقرت إليه هُنتَ عليه، ولا تزال تُحفَظ وتُكْرَم حتى تسأل وترغب، فإذا ألحَّت عليك الحاجة ولزمَك سوءُ الحال، فاجعل سؤالك إلى مَن إليه حاجة السائل والمسؤول، فإنه يعطي السائل».
***
قال الفضل بن يحيى لأبيه: «ما لنا نُسدي إلى الناس المعروف فلا نرى من السرور في وجوههم عند انصرافهم ببرِّنا ما نراه في وجوههم عند انصرافهم ببرِّ غيرنا؟»، فقال له يحيى: «إنّ آمال الناس فينا أطول منها في غيرنا، وإنما يُسَرّ الإنسان بما بلغه أمله».
***
أصبح النجاشي يومًا جالسًا على الأرض والتاج عليه، فأعظمت بطارقته ذلك وسألوه عن السبب الذي أوجبه، فقال: وجدتُ في ما أنزل الله على المسيح: «إذا أنعمتُ على عبدي نعمةً فتواضعَ، أتممتُها عليه». وإنه وُلِدَ لي هذه الليلةَ غُلام، فتواضعتُ شكرًا لله.
***
وقال أصحاب معاوية له: «إنا ربما جلسنا عندك فوق مقدار شهوتك، فنريد أن تجعل لنا علامة نعرف بها ذلك»، فقال: «علامة ذلك أن أقول: إذا شئتم». وقيل ذلك ليزيد، فقال: «إذا قلت: على بركة الله». وقيل ذلك لعبد الملك بن مروان، فقال: «إذا وضعتُ الخيزرانة من يدي».
***
وأعجبني خبر عن أبي طفيلة الحرمازي وهو متعلق بأستار الكعبة، ويقول: «اللهم إني أستغفرك من كل ذنب، إلا من غيبة السفل، فإنها أحلى من لحم العصفور».
وسمعت من صديقي: «لا غيبة للثقلاء، والوقيعة فيهم من اللذات».
وعن ابن دريد: «لم يبقَ من الدنيا إلا أكل القديد، والوقيعة في الثقلاء».
وأدلُّك على بلاغة الأعراب في الفصل الأول من المجلد الرابع في «العقد الفريد»، فهو باب رائع ترى فيه اللغة العالية والدعوات الصادقة وجزالة الأعراب، وقد قدَّم الكاتب بقوله عن كلام الأعراب: «أشرَفُ الكلامِ حسبًا، وأكثره رونقًا، وأحسنه ديباجًا، وأقلُّه كلفة، وأوضحه طريقة، وإذ كان مدار الكلام كله عليه، ومنتسبه إليه».
وهذه برقيات من الجاحظ:
– «إنما الأدب عقل غيرك تزيده في عقلك».
– «حكمتَ وكيل الله عندك (وهو عقلك) على هواك».
– «حسن الخلق يوجب المودة».
– «إنما حمدت العلماء بحسن التثبت في أوائل الأمور، واستشفافهم بعقولهم ما تجيء به العواقب».
ومن الكتب المهمة في التعريف بالتراث العربي، كتاب «الحكمة العربية» للدكتور محمد الشيخ. يقول في مقدمة الكتاب: «يكفيني من هذا الكتاب أن يفلح في شيء واحد، تشويق القارئ إلى كتب التراث، ومصالحته مع هذه الكتب التي كادت تصير مهجورة، اللهم إلا ما كان منها موافقًا لخدمة الأغراض السياسية لبعض حركات هذا العصر،، وما أضيقها أفقًا وأشدّها اختزالًا».
وهذه بعض العبارات الجميلة والتوقيعات الرائعة من الكتاب:
– «النظر في الحكمة أعياد النفوس الناطقة»، الكندي.
– «الحكمة غذاء الروح»، ابن طباطبا.
– «الحكمة عروس العلم»، يحيى بن معاد الرازي.
– «إذا فقدت العقول قوتها من الحكمة ماتت موت الأجساد عند فقر الطعام»، أبو حيان التوحيدي.
– «لولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجيب حكمها، ودوّنت من أنواع سِيَرها، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها المستغلق علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم. لقد خس حظنا من الحكمة، وانقطع سببنا من المعرفة، وقصرت الهمة، وضعفت النية، فاعتقم الرأي وماتت الخواطر، ونبا العقل»، الجاحظ.
– «إنما يعرف الفضل لأهله من كان في نفسه فاضلًا، ويشهد بالعقل لأهله من كان في نفسه عاقلًا»، أبو يعلى.
– «ولم يصن العلم بمثل بذله، ولم يستبق بمثل نشره»، الجاحظ.
– «لم يخلق الله تعالى أفضل ولا أحسن ولا أجمل من الإنسان»، المسعودي.
– «قلّما يخلو الإنسان من صبوة أو صبابة أو حسرة على فائت، أو فكر في متمنى، أو خوف من قطيعة، أو رجاء لمنتظر، أو حزن على حال، وهذه أحوال معروفة، فالناس كلهم على جديلة واحدة في هذا الحال معهودة»، التوحيدي.
– «نحن كلنا أشخاص يجمعنا نوع واحد لم يؤتَ من إدراك الأمور كبير قوة ولا جسيم منة، فهو يخطئ أحيانًا ويصيب أحيانًا، وأخطاؤه أكثر من إصابته، وظنه أغلب من يقينه، وعلمه أنقص من جهله»، ابن سيده.
– «الغفلة من صفات الإنسان»، ابن الخطيب.
– «إن ظن أحد أن أمر الصداقة صغير، فالصغير من ظن ذلك»، قول نسبه العرب إلى سقراط.
– «اعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان»، ابن عرضون.
– قديمًا قالت العرب: «أبعد الناس سفرًا من كان سفره في طلب صديق».
– «الإنسان لا يمكنه أن يعيش وحده، ولا يستوي له أن يأوي إلى المقابر، ولا بد له من أسباب بها يحيى، وبأعمالها يعيش، فبالضرورة ما يلزمه أن يعاشر الناس، ثم بالضرورة ما يصير له بهذه المعايشة بعضهم صديقًا، وبعضهم عدوًّا»، التوحيدي.
– قلت لديراني مرة: «ما لكم تعجبكم الخضرة؟»، قال: «إن القلوب إذ غاصت في بحار الفكر غشيت الأبصار، فإذا نظرت إلى الخضرة عاد إليها نسيم الحياة»، سري السقطي.
– قيل لبعضهم: «أما تستوحش؟»، فقال: «أيستوحش من معه الأنس كله؟»، قيل: «ما الأنس كله؟» قال: «الكتب».
هذه حضارة تعشق الكتب.
قال الجاحظ: سمعت الحسن اللؤلؤي يقول: «غَبَرتُ -أي مكثت- أربعين عامًا ما قِلتُ ولا بِتُّ ولا اتكأتُ إلا والكتاب موضوعٌ على صدري»، من كتاب «الحيوان» للجاحظ.
وعلى ذكر الجاحظ، كتب إحسان عباس بحثًا عن الجاحظ وأرسله إلى إحدى المجلات لتنشره، ولما جاءه الجواب بالقَبول كُتب فيه: «حضرة السيدة إحسان عباس»، وعندما صحح -رحمه الله- الخطأ الذي وقع فيه أمين تحرير المجلة عزفوا ورفضوا نشره، فقال معقبًا: «لقد رحبوا بالبحث لما كان لسيدة».