آراء
خرجَ صُهَيْبٌ الرُّومِيُّ مهاجرًا إلى النَّبيِّ ﷺ، فتبعَه نفرٌ من قريشٍ من المشركين يريدون أن يُعيدوه، فنزلَ عن دابَّتِه، ونثرَ ما في كنانتِه من أسهُمٍ، وأخذَ قوسَه وقال: يا معشرَ قريشٍ، لقد علمتُم أنّي من أَرماكم، وأيمُ اللهِ لا تصلون إليَّ حتّى أرميَ بما في كنانتِي، ثمّ أضربُ بسيفي ما بقيَ في يدي منه شيء، ثمّ بعدها افعلوا ما شئتم!
فقالوا له: أتيتنا صعلوكًا فكثرَ مالُكَ عندنا وبلغتَ ما بلغتَ، ثمّ تريدُ أن تخرجَ بنفسِكَ ومالكَ، واللهِ لا يكون هذا!
فقال لهم: أرأيتم إن أعطيتُكم مالي أتُخلون سبيلي؟
فقالوا: نعم.
فدلَّهم على مكانِ مالِه فذهبوا وأخذوه، ومضى هو نحو النَّبيِّ ﷺ مهاجرًا، فلمّا وصلَ إلى المدينةِ المنوَّرة تلقّاه النَّبيُّ ﷺ بقوله: ربحَ البيعُ أبا يحيى، ربحَ البيعُ أبا يحيى!
وأنزلَ اللهُ تعالى قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾
الدَّرسُ الأوَّلُ:
الحياةُ مواقفُ عِزٍّ، وثمَّةَ مواقفُ على الإنسانِ أن يقفَ فيها شامخًا، لأنَّه إذا انحنى فقد لا يُسعفُه عمرُه كلُّه ليقفَ بعدها!
إنّها عبادةُ الموقفِ الواحدِ الّتي إن أقمتَها استقامَ بعدها كلُّ شيءٍ، وإن أهدرتَها سينفرطُ ثوبُ إيمانِكَ خيطًا خيطًا، ثمّ ستكتشفُ في لحظةٍ ما قُبحَ عُريِكَ!
تخيَّلْ معي لو أنّ صُهيبًا آثرَ مالَه على دينِه وعادَ أدراجَه، ما كان ليكون هذا كلَّ الذُّلِّ وإنّما أوَّلَه، فكما راودوه عن هجرتِه بمالِه على مشارفِ مكَّة، فسيراودونه عن صلاتِه وتوحيدِه في بطنِها كذلك!
ولو تأمَّلتَ حديثَ السَّبعةِ الّذين يُظلُّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلّا ظلُّه، لوجدتَ ثلاثةً منهم نالوا هذا الشَّرفَ العظيمَ بعبادةِ الموقفِ الواحد، رجلٌ دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ فقال: إنّي أخافُ الله، لحظةٌ واحدةٌ انتصرتْ فيها العفَّةُ على أجيجِ الشَّهوة، وانتصرَتْ فيها مراقبةُ اللهِ على أمانِ الخلوة، أكسبتْ صاحبَها عزَّ الدُّنيا وعزَّ الآخرة،!
ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها حتّى لا تعلمَ شمالُه ما أنفقتْ يمينُه، لحظةٌ واحدةٌ انتصرَ فيها سترُ المحتاجِ وجبرُ خاطرِه على حظِّ النَّفسِ في أن يُرى الإنسانُ متصدِّقًا فيمدحَه النّاس!
ورجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضتْ عيناه، دمعةٌ واحدةٌ من قلبٍ صادقٍ كان ثمنُها الجنَّة، فإيّاكَ إيّاكَ أن تُفرِّطَ في وقفاتِ العِزِّ.
الدَّرسُ الثَّاني:
ثمَّةَ عبادةٌ عظيمةٌ اسمُها التَّركُ للهِ، وقد ربحَ بيعُ أبي يحيى لأنَّه تركَ للهِ!
كلُّ معصيةٍ قدرتَ عليها ولم يمنعكَ منها إلّا مراقبةُ اللهِ فاستشعرْ معها قولَ نبيِّكَ ﷺ: ربحَ البيعُ أبا يحيى، وقتَها ستصبحُ لذَّةُ التَّركِ أجملَ من لذَّةِ الفعل!
وكلُّ انتقامٍ قدرتَ عليه ولم يحُلْ بينكَ وبينه إلّا رضا اللهِ عن العافين عن النّاس، فاستشعرْ معه قولَ حبيبِكَ ﷺ: ربحَ البيعُ أبا يحيى!
وكلُّ صدقةٍ هممتَ بها فتردَّدتَ، فأخرجْها مستحضرًا هذا المعنى، فستجدُ لذَّةَ العطاءِ أعظمَ من لذَّةِ الأخذ!
الدَّرسُ الثّالثُ:
ما قيمةُ المالِ إن كنتَ له خادمًا بدلَ أن تكونَ له سيِّدًا؟!
ما قيمةُ المالِ إن كان ثمنًا لدينِكَ؟!
ما قيمةُ المالِ إن أُريقَ في سبيلِه ماءُ وجهِكَ، وهُتِكَتْ لأجلِه كرامتُكَ؟!
ما قيمةُ المالِ إن كنتَ ستعيشُ عيشَ الفقراء وتُحاسَبُ حسابَ الأغنياءِ؟!
ما قيمةُ المالِ إن لم يرَ اللهُ أثرَه عليكَ؟!
ما قيمتُه إن لم تُسْعِدْ به زوجةً، وتُيَسِّرْ به حياةَ أولادٍ؟!
ما قيمتُه إن لم تسُدَّ به حاجةَ صديقٍ، أو تجبرَ به خاطرَ محتاجٍ؟!
ما قيمتُه إن لم يكنْ للفقيرِ فيه نصيبٌ، وللمديونِ به سلوى؟!
ما قيمتُه إن لم يكنْ للمريضِ فيه علبةُ دواءٍ، وللأرملةِ رغيفُ خبزٍ؟!
ما قيمتُه إن لم يكنْ للمجاهدِ سندًا، وللمسجدِ كتفًا، ولدارِ تحفيظِ القرآنِ عكازًا،
أنتَ ترتفعُ بقدرِ ما يكونُ المالُ تحتَ قدميكَ، وتنحطُّ بقدرِ ما يكونُ المالُ فوقَ رأسِكَ!
الدَّرسُ الرَّابع:
تَضيقُ الأوطانُ على أهلِها أحيانًا، وشأنُ النّاسِ منذُ أبدِ الدَّهرِ أن يُهاجروا، ولكَ أن تتخيَّلَ النَّبيَّ ﷺ على مشارفِ مكّةَ والدّموعُ في عينيه وهو يقولُ: واللهِ إنكِ لأحبُّ البلادِ إليَّ ولولا أنَّ قومَكِ أخرجوني ما خرجتُ!
فهو لم يُهاجرْ من مكّةَ لكفرِ أهلِها وإنّما لظلمِهم، ولم يأمرْ أصحابَه بالهجرةِ إلى الحبشةِ لإسلامِ حاكمِها وإنّما لعدلِه!
ثمّةَ ظروفٌ تَسلبُ الإنسانَ من نفسِه، وتُشعرُه أنَّ الأرضَ بجبالِها جاثمةٌ على صدرِه وأنّه يتنفَّسُ من خرمِ إبرةٍ!
وقد يُهاجرُ المرءُ طلبًا لعلمٍ واختصاصٍ، وقد يُهاجرُ بحثًا عن رغيفِ خبزٍ ولقمةِ عيشٍ، ولستُ من أهلِ الفتوى ولا أريدُ أن أُفتي، ولكن ما شاهدناه عيانًا أنّه ما هاجرَ أحدٌ إلى الغربِ مُقيمًا، إلّا وأكلَ بعد ذلكَ أصابعَه من النَّدم، وهذا النَّدمُ في حالِ من معه أُسرةٌ وأولادٌ أشدُّ ممّا لو كان وحدَه، فهلا سألتَ نفسَكَ أيَّ قِيَمٍ سيأخذُ أولادُكَ، وأيَّ مناهجَ ستغسلُ أدمغةَ بناتِكَ، وأيَّ ظروفٍ اجتماعيّةٍ وفكريّةٍ ستُلقي بنفسِكَ في غمارِها!
نعم هناك نماذجُ مشرِّفةٌ لمهاجرين كُثُرٍ، وشخصيًّا أعرفُ كثيرين أقاموا أمرَ دينِهم هناك كأنّهم في بلادِ الإسلام، ولكنّها إقامةُ القابضِ على الجمر!
على أيّةِ حالٍ إن قرَّرتَ أن تُقيمَ أو تُهاجرَ، فلا تنسَ أنَّ دينَكَ هو عظمُكَ وشحمُكَ ولحمُكَ ودمُكَ، وأنَّ الدُّنيا كلَّها ثمنٌ بخسٌ مقابلَ أن يضيعَ، ولا خيرَ في سعةٍ من الدُّنيا إن ضيَّعتَ الآخرةَ!
أدهم شرقاوي





