آراء
كلما أصدرت إثيوبيا بيانًا تصطنع فيه التعمية على الشقوق السياسية الداخلية بالمصطلحات الكبيرة، بدا الأمر كمن يشعل عود كبريت في غرفةٍ مظلمة ليطمئن نفسه. بيان الخارجية الإثيوبية الأخير – الذي اتهم مصر بـ ”زعزعة استقرار القرن الأفريقي“ وبتبني ”استراتيجية بالية لا تُخيف إثيوبيا“ – لا يخبرنا شيئًا عن مصر.
أنا هنا لا أنزه السلطة المصرية عمّا أوصلتنا إليه من تطاول إثيوبيا على مصر، وإنّما أقرأ خطابًا أجوفَ يخبرنا الكثير عن إثيوبيا: دولة تبحث عن خصمٍ خارجي لتُسكِت داخليًّا ما لا يُسكَت. المفارقة المُدهشة أنّ الدولة التي شيدت أضخم سدّ في القارة بلا اتفاق ملزم، وبلا دراسات معلنة لسلامة الخزان، تُلقي دروسًا في القرن الحادي والعشرين على دولة عمرها من عمر النهر ذاته.
دعونا نضع البيان تحت الضوء.
”الرجعية“ الإثيوبية .. عود على بدء.
الغريب في الملاسنات الإثيوبية أنّها تتحدّث بلسان القرن الحادي والعشرين بينما تتصرف بعقلية القرن التاسع عشر. عقلية الدولة التي ترى أنّ امتلاك منبع النهر يمنحها حقّ السيطرة على مصبّه. هذا -بتوصيف القانون الدولي- منهاج رجعي مرفوض يتبنّى مدرسة ”السيادة المطلقة“ التي اندثرت باندثار الإمبراطوريات. وعلى الرغم من أنّ إثيوبيا تحاول تقديم نفسها كدولة ”تحررية“ تخلّص القارة من نفوذ القوى القديمة، إلا أنّ خطابها يكشف رغبة أصيلة في استبدال ما تراه مركز الهيمنة لا تفكيكه. فبدل أن تُقدّم نموذجًا للتكامل الإقليمي، تُعيد إنتاج أحلام ”الإمبراطورية الحبشية الكبرى“. المفارقة أنّ الدولة التي تعيش في صراع أهلي دائم، وتخوض أكثر من حرب في ذات الجيل، تصف مطالبة مصر باتفاق قانوني ملزم بأنّها ”رجعية“. الرجعية الحقيقية هي بناء سياسة خارجية على شعار: ”أنا أقرر، أنتم تصمتون.“
الفجوة بين الخطاب الإثيوبي وواقع القرن الأفريقي.
من يعرف القرن الأفريقي يعرف أنّ أكثر دولة تفتقر إلى ترف اتهام الآخرين بزعزعة الاستقرار هي إثيوبيا نفسها. تاريخ السنوات العشر الماضية وحده يكفي: حرب تيجراي، صراع أورومو، اشتباكات أمهرة، الاشتباكات الحدودية مع السودان، والتحلل في الأطراف يهدّد بتكرار سيناريوهات البلقان. إلى ذلك يتحدّث البيان الإثيوبي عن ”مصر التي تريد دولًا تابعة وضعيفة وخاضعة“. هذا الخطاب ليس فقط فجًّا؛ بل يكشف فزّاعة سياسية داخلية تستخدمها الحكومة الإثيوبية كلما ضاقت عليها حلقات الصراع الوطني.
الفجوة بين الواقع والبيان ليست مجرّد فجوة، هي هاوية. وكلما اتسعت الهاوية، ارتفعت نبرة الخطاب. والسؤال: لماذا ترفض إثيوبيا توقيع اتفاق ملزم طالما هي مطمئنة إلى عدالة موقفها؟
”عقلية استعمارية“.. عبارة منتهية الصلاحية.
اعتادت أديس أبابا أن تُشهر ورقة ”الاستعمار“ في وجه أيّ نقاش قانوني لا يناسبها.
بيان الخارجية قال إنّ مصر ”ما زالت متأثرة بعقلية الحقبة الاستعمارية“، وإنّ معاهدات النيل ”تم توقيعها خلال تلك الحقبة“.
الحقيقة أنّ إثيوبيا تعرف قبل غيرها أنّها يجب أن تلتزم بالعديد من المعاهدات التي وقعت وصدقت عليها لتنظم قضايا الحدود والتعامل مع مياه نهر النيل، ومن بين أهمها معاهدة ١٩٠٢، التي لم تكن معاهدة استعمارية، بل اتفاقًا مباشرًا بينها وبين بريطانيا نيابة عن السودان. إذ وقّع الاتفاق الإمبراطور منليك الثاني نفسه، وتعهد فيه بعدم إقامة منشآت على النيل الأزرق دون الحصول على إذن كتابي مسبق من دولتي المصب: مصر والسودان، وأنّ إثيوبيا كانت الوحيدة من بين الدول الثلاث التي وقعت كدولةٍ مستقلة مع بريطانيا التي كانت تحتل حينئذ كُلًا من مصر والسودان.
تاريخ النهر ليس لعبة ورقية. لا يمكن لدولة أن تلوّح به حين تشاء ثمّ تطويه حين لا يخدم حجتها. والمفارقة الأكثر سخرية أنّ إثيوبيا -التي ترفض اتفاقيات ”الحقبة الاستعمارية“- استخدمت نفس الاتفاقيات في نزاعها الحدودي مع السودان، وفي ترسيم الحدود مع إريتريا عند الاستقلال، بينما تتمسّك في الوقت ذاته بخطابات المظلومية لتبرير بناء سدّ لم تلتزم تجاهه بالقانون الدولي أو المعاهدات الدولية الملزمة لها والتي تخضع لمبدأ التوارث الدولي.
عن ”الاستراتيجية البالية“
البيان يقول إنّ ”استراتيجية مصر البالية لم تعد تُخيف إثيوبيا قط“.
لم يسبق أن أعلنت مصر أنّ هدفها تخويف إثيوبيا. هذه قراءة إسقاطية من طرفٍ واحد. أشبه بمن يدخل مباراة كرة قدم وفي رأسه أنّه يخوض حربًا وجودية. مصر لها أن تدافع عن حقّها في الحياة والوجود، ولم يكن يُفترض أصلًا أن تطلب الإذن من أحد في ذلك.
خطاب إثيوبيا عن ”الاستراتيجية البالية“ محاولة خطابية لتغطية حقيقة يعرفها العالم: إثيوبيا هي التي تفرض الأمر الواقع دون اتفاق مسبق، وهي التي أفشلت جولات التفاوض المتعاقبة لأكثر من عشر سنوات، وهي التي تعتبر النهر موردًا سياديًّا خالصًا، خلافًا للقانون الدولي.
الاستراتيجية الوحيدة البالية فعلاً هي بناء سدّ ضخم فوق أخطر صدع تكتوني في القارة دون اتفاق قانوني ملزم مع دولتي المصب، ثمّ مطالبة الآخرين بالرضوخ.
”مصر تزعزع استقرار القرن الأفريقي“.. هل حقًا؟
حين تتهم إثيوبيا القاهرة بأنّها ”تشن حملة لزعزعة الاستقرار في القرن الأفريقي“، فالمفارقة هنا تُغني عن الشرح. الدولة التي دخلت حرب تيجراي، وصراع أمهرة، وصدام أورومو، والاشتباكات الحدودية مع السودان، وتحتل إقليم أوجادين الصومالي، وتسعى لتقسيم الصومال؛ تتهم مصر بتصدير الفوضى.
البيان يصر على اختلاق ”تهديد مصري“ خارجي يوحّد الداخل الإثيوبي خلف مشروع السد. هذه ليست دبلوماسية القرن الحادي والعشرين؛ هذه بروباجندا القرن العشرين، والاتهام بها رخيصٌ مهما كان إخراجها لغويًا جذابًا.
”إثيوبيا لا تحتاج الإذن من أحد“.. الجملة التي تذرُها الجغرافيا.
الخارجية الإثيوبية تقول: ”إثيوبيا غير ملتزمة بأن تطلب الإذن من أيّ جهةٍ لاستخدام الموارد داخل حدودها“. صحيح لو كانت تتحدّث عن نهر محلي. لكن النيل الأزرق ليس نهرًا محليًا. هو نهر دولي، يخضع لقواعد واضحة في القانون الدولي، ولبنود اتفاقيات دولية وقعت عليها إثيوبيا واستخدمتها في نزاعات مع دول الجوار. وكلّ محاولة لتحويل نهر دولي إلى موردٍ سيادي هي ببساطة خروج عن القانون والمعاهدات الدوليين، لا عن الإرادة المصرية.
المظلومية المصطنعة.. محاولة قلب الطاولة.
لافت جدًا أن إثيوبيا تتهم مصر بالتمسك بـ ”عقلية استعمارية“، بينما خطابها نفسه مُشبَع بروح الرجعية السياسية، تلك التي لا ترى في القارة سوى ساحات نفوذ متصارعة، لا دولًا شريكة في مصير مائي واحد. البيان الإثيوبي الأخير يقدم نموذجًا صارخًا للمظلومية المصطنعة، حيث تُقدّم أديس أبابا نفسها كدولة منهوبة الحقوق، بينما هي في الحقيقة الدولة التي فرضت الأمر الواقع، ورفضت طوال سنوات الاعتراف ببديهيات القانون الدولي: أنّ الأنهار الدولية ليست ملكًا لدول المنبع.
وعلى الرغم من ذلك، تصنع إثيوبيا لنفسها بطولة زائفة، وكأنّها تكسر قيودًا لم توجد أصلًا. والغريب أنّ أديس أبابا، التي لطالما لعبت دور عرّابة الوحدة الأفريقية تتبنّى اليوم خطابًا لا يختلف كثيرًا عن الخطاب الذي تبنته القوى الاستعمارية القديمة نفسها: خطاب الحقّ المطلق. فإذا كانت الرجعية تعني العودة إلى منطق أنّ الدولة الأقوى جغرافيًّا تفرض شروطها على الأضعف، فإثيوبيا تُجسّد هذا المفهوم بحذافيره.
الفجوة الفاضحة بين ”خطاب البطولة“ وواقع القرن الأفريقي.
مدهش كيف تُصدّر إثيوبيا بيانًا مليئًا بلغة التحدي، بينما واقعها الداخلي -اقتصادًا وأمنًا وسياسة – ينزف من كلّ الجهات. الدولة التي تتهم مصر بزعزعة الاستقرار هي نفسها التي لم تتنفّس عامًا واحدًا دون صراع داخلي: من حرب تيجراي التي خلّفت مئات الآلاف قتلى ومهجّرين، إلى صراع الأمهرة، إلى اضطرابات أوروميا، إلى حدود مشتعلة مع السودان، وجهد مستمر لتقسيم الصومال. هذا الخطاب ”البطولي“ لا يخفي القوة؛ بل يخفي هشاشة تُعالج بالدعاية. وكأنّ الحكومة الإثيوبية تقول: ”نحن أقوياء لأنّنا نقول إنّنا أقوياء.“
الأمن المائي المصري.. الحقيقة التي يتجاهلها خطاب أديس أبابا.
عندما تتحدّث إثيوبيا عن حقّها في ”الاستغلال العادل والمنصف“ للموارد، تتجاهل حقيقة جوهرية: أنّ مصر ليست دولة منبع تملك بدائل، بل دولة مصب تعتمد بنسبة أكثر من ٩٧٪ من احتياجاتها المائية على نهرٍ واحد يأتي من خارج حدودها.
هذه ليست رفاهية سياسية، بل معادلة بقاء. لكن أديس أبابا تتعامل مع هذا الواقع كما لو أنّه تفصيلة ثانوية. فلا تذكر في بيانها أنّ أيّ خلل في تدفق المياه يهدّد الغذاء والطاقة والزراعة والصناعة في دولة تعدادها يفوق المائة مليون، وتعيش تحت خط الفقر المائي، بل إنّ نصيب الفرد من المياه فيها يعادل تقريبًا نصف حد الفقر المائي دوليًّا. ولا تذكر أنّ القانون الدولي يعطي الأولوية لدولة المصب الهشّة مائيًّا، ولا تعترف بأنّ الإجراءات الأحادية ليست فقط استفزازًا سياسيًّا، بل تهديدًا مباشرًا لاستقرار إقليمي يضم إلى جانب مصر السودان الهشّ أساسًا. الخطاب الإثيوبي يتصرف كما لو أنّ النيل الأزرق قناة محلية داخلية، لا شريان حياة لدولتين تتشاركان التاريخ والمصير.
وهذه هي المفارقة: إثيوبيا تطلب من العالم أن يتفهّم حاجتها إلى الكهرباء، لكنّها لا تمنح مصر حتى حقّها في الدفاع عن أصل بقائها المرهون باستمرار تدفق مياه نهر دولي مشترك. الأمن المائي ليس وجهة نظر، ولا نظرية سياسية، ولا ”استراتيجية بالية“.هو ببساطة الحقّ الأول لأيّ دولةٍ في معادلة بقائها المبدئية.
ازدواجية لا تُفنى لكنّها تستحدث من عدم.
من يتابع الخطاب الإثيوبي يلاحظ ظاهرة ممجوجة: أديس أبابا تمتلك نسختين من كلّ جملة، واحدة تُصدّرها للعالم الناطق بالإنجليزية، وأخرى توجّهها لمحيطها العربي والأفريقي. في الغرب، تظهر إثيوبيا في هيئة ”الدولة الصاعدة“ التي تكافح الفقر وتبني مشروعًا كهربائيًّا سيغيّر حياة الملايين، وتتحدّث بلغة التعاون والتنمية المشتركة وتلوّح بمصطلحات الحوكمة الرشيدة والتنمية المستدامة. لكن ما إن تخاطب المنطقة حتى ينقلب القاموس: لغة تحدٍّ، اتهامات بالجملة، مزاعم عن ”احتكار“ و ”تبعية“ و”هيمنة“؛ وكأنّها دولتان لا علاقة بينهما إلا الاسم على الورق. هذه الازدواجية ليست صدفة، بل استراتيجية متقنة لإنتاج روايتين تخدم كلّ منهما جمهورًا مختلفًا. لكنّها أيضًا تكشف ضعفًا تحاول أديس أبابا إخفاءه؛ فالدول الواثقة من موقفها القانوني لا تحتاج إلى لغتين ولا روايتين؛ تكفيها نسخة واحدة صالحة للاستهلاك المحلي والإقليمي والدولي على السواء.
أمّا حين يُبنى الخطاب على بروباجندا تعبئة داخلية، فلابدّ من تضخيم المخاوف، واختراع خصوم، وتغيير الترجمة السياسية عند كلّ منصة.
والسؤال الذي يطرحه أيّ مراقب:
إذا كانت إثيوبيا بريئة كما تقول، فلماذا لا تقدّم للعالم كلّه النسخة نفسها من الخطاب؟
الازدواجية هنا ليست تكتيكًا سياسيًّا؛ بل اعتراف ضمني بأنّ الرواية ضعيفة إن تعرّضت للتدقيق.
الخلاصة: بيان الخارجية الإثيوبية لا يعكس قوتها، بقدر ما يفضح ضعفنا.





