آراء

الكاتب.. بين الشّجاعة الصامتة والخوف المِهذار!

يوليو 21, 2025

الكاتب.. بين الشّجاعة الصامتة والخوف المِهذار!

إن كان من مشهد يملأ قلبي ازدراءً لصاحبه؛ فهو مشهد الكاتب الجبان الذي لا يكون شجاعًا إلا حين تسمح الظروف، وتؤمن العاقبة، وتسمح الظروف، فإذا جاء الخوفُ رأيته ينظر إليك تدور عيناه كالذي يُغشى عليه من الموت، فإذا ذهب الخوفُ عاد شجاعًا من جديد، وسَلَقَك بلسانٍ حديد!

ولو كان خوفُ هذا الكاتب الصنديد الرعديد خوفًا واحدًا؛ لاحتملناه ولو على مضض، ولكنه خوف وثانٍ وثالث:

خوف الحكومة أن تبطش به.. إمَّا بسيفِ القهر والاستبداد، أو بسيف القانون واللوائح، أو بسيف النّفوذ الذي يقصيه عما يؤمّل، أو يدنيه مما يحذر.

وخوف الجمهور أن يصمه بالسوء، أو يلغيه من قائمة المحبوبين، أو يسخر منه في التّعليقات، أو يمسح بكرامته بلاط “التريند”.


وخوف الامتيازات الثّقافيّة، أن تتخلى عنه المنصات، أو ينقطع عنه الذهب، أو يُحرمَ نيل الجوائز، أو ينقطع عنه سيل الدعوات لمؤتمرات الثّرثرة ومنتديات الهراء.

وخوف العلامة التّجاريّة الشّخصيّة.. أن تخدش فيقلّ حظه من التفاعل، ويمنع نتاجه من معارض الكتب.
وقائمة طويلة من أشكال الخوف، أضمن لك بشأنها أمرًا واحدًا: أنَّها خاليةٌ من خوف الله عزّ وجلّ، لأنّه حين تعتدل معايير الكاتب وفق ميزان الإيمان؛ سيكون أخوف الناس وأشجعهم معًا، وسيضع نصب عينيه أنّ من أرضى الناس بسخط الله؛ سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس؛ رضي الله عنه وأرضى عنه الناس. 

ولأنّه حين يتحقّق الكاتب بمعنى العبودية لله عزّ وجلّ؛ فسيعلم أنّه “ما أصبح به من نعمة؛ فمن الله وحده لا شريك له، ليس لأحدٍ من النّاس -مهما بلغ شأنه- أن يكشف عنه ضرًا كتبه الله عليه، ولا أن يمسك عنه رحمةً كتبها الله له، فينظر حينها إلى مدح النّاس وذمّهم في إطارٍ يرضى الله عنه.


ولعلّك تقول في نفسك وأنت تقرأ هذه الكلمات: ما لهذا الأخ فارت أعصابُه؟ وانفلت لسانه؟ فصار داعيةً إلى التهوّر، واصمًا عباد الله بالجبن والخور؟ وما به يهذر هذر المنفعل الذي لا يعي ما يقول؟ وينطق منطق الغاضب الذي يخرج الزبد من فيه؟ فإن ثاب إلى نفسه بعد حين، وفاءَ من غضبته إلى رشده؛ أدرك أنّ كلامه كان عاطفةً فوارةً، هي أبعد شيء عن العدل في معيار المنطق، وإن كانت أقرب شيء إلى الصدق في ميزان الشّعور!

ولك الحقّ أن تقول هذا أيّها القارئ؛ فإنّي قلتُه لنفسي قبلك، ثم أخذت أحاول أن أفهم الفرق بين الشّجاع وبين الجبان وبين المتهوّر! فإن راعتك سخونة السّطور السّابقة، فتعال واقرأ السّطور الآتية؛ فإنّها باردة برودة التّحليل الهادئ، هادئة هدوء المحاكمة التي تتوخى الإنصاف.

أزعم أنّ للشجاعة ظاهرًا وحقيقةً، وأنّ الناس قد ينخدعون بجبانٍ يبدو شجاعًا، ويظنّون السوء بشجاعٍ قد يبدو لهم جبانًا.. وأزعم أنّ من أكثر القصص التي تتكرر في عالمنا: قصّة الدّيك الذي أخذ يسبّ الثعلب، وهو على الجدار في أمان، ينطق بالمكانِ لا الإمكان! فلما رأى الأرنب ما فعله الدّيك ظنّ أنّ موازينَ القُوى اختلفت؛ فأخذ يسبّ الثّعلب الذي فتك به وافترسه.. في حكاية طريفة قصّها أمير الشعراء رحمه الله رجزًا، ثم ختمها ببيتٍ خالد:

ما كلّنا يُنطقه لسانه   في الناس من يُنطِقُه مكانه!

وإن جئنا نحاول فهم الشّجاعة؛ لعرفنا أنّ الإنسان لا يخلو من خوفٍ، فالشّجاع يخاف، والجبانُ يخاف كذلك.. لكن الفارق بين الشّجاع والجبان هائل:

فالشّجاع يعترف بخوفه، دون أن يسمح للخوف أن يركبه أو يستولي عليه.. أما الجبان فيسلم قياد نفسه إلى خوفه.

والشّجاع يُؤَثِّر فعل الصواب، والجبان يرى أن الصوابَ حيثُ السلامة، وبس! 

والشجاع له وجهٌ واحد، وربما يعجز عن قول الصواب أحياناً، لكنه لن يقول الباطل أبداً، أما الجبانُ فهو لبّاس أقنعة.


ثم الشّجاعُ قادرٌ على مواجهة نفسه، وهذا أمرٌ يعجز عن فعله الجبان.. يستطيع الشّجاع أن ينظر في المرآة. وأن يتملّى في قسماتِ نفسه.. فلا تدعوه فطرته إلى الإشاحةِ ولا الفرار من المرآة، أما الجبانُ فإنّه يخادع في الحقائق نفسه، ولا يستطيع -لما فيه من بقية الفطرة- أن يتأمل في قسماتٍ كلّها قبحٌ وخداعٌ للنّفس، وللنّاس!

ولقد أعجبني المثل الحجازي العتيق: “إن خفت: لا تقول، وإن قلت: لا تخاف!فإنّه يضع لك أيها الكاتب ميزانًا أخلاقيًّا دقيقًا.. يجعل الشجاعة جزءًا من كلّ، وقيمةً لا تأتي وحدها، بل تصحب أخواتها من الصدق مع النّفس، والعدل في الحكم، والتّقدير لعواقب الأمور..

فإن خفتَ أيّها الكاتب، فلا تستتر خلف لهجةٍ تبدو شُجاعةً، وما هي إلا ما حكى عنه أبو الطّيب قبل ألف عام:

وإذا ما خلا الجبان بأرضٍ     طلب الطعنَ وحده والنزالا

إن كنتَ تزعم الشّجاعةَ.. فاضرب بسيف قلمك رقبة القويّ قبل رقبة الضعيف، وقل الحقّ في وجه المدير كما تقوله في وجه الغفير، ولا تجعل شجاعتك حكرًا على الجبهات الباردة التي لا تخشى فيها طلقةً عاثرة، ولا تواجه فيها خصمًا قادرًا على أذيتك.

وإن كنتَ لا ترخّص للصامتين اليومَ.. فلماذا كنت تلتمس لنفسك المعاذير حين كنتَ في مثل حالهم؟ ولماذا كنتَ حينَها أخبر النّاس بتقدير المصالح والمفاسد، وتحليل موازين القوى، وتفصيل مناطق الصمت والكلام؟

وإن قلتَ؛ فلا تخف! وكن متسقًا، لا يتبدّل قولك بتبدّل الجمهور، ولا تتغيّر جرأتُك بتغيّر الحسابات، فليست الشّجاعةُ أن تنتقي من الحقّ ما كان حلوًا، وتتبرأ مما كان مرًا.

إنّ الحقّ قطعةُ قماش محبر، منسوج من خيوطٍ حلوة وخيوط مرة، وإنّك إن أردت أن تستلّ من الحقّ ما كان مرًا ولا تقول إلّا ما كان حلوًا؛ دمّرت النّسيج كلّه، فلم يكن ما تقوله حقًا حاكمًا ومهيمنًا، بل حقائق مسخرة لخدمة هوى، والله أعلم هوى من هذا الذي تسخّر الحقائق لخدمته!

وحتى لا تكون مقالتي هذه صراخًا محضًا.. أقول لكلّ كاتب: إنّك لن تخلو من الخوف أبدًا، فاجعل خوفك من ربك لا من عباده، وحينها ستكون شجاعتك حقيقيةً صادقةً.

وأقول لكلّ كاتب: لا تكتب يمينك غير شيء يسرّك أن تراه يوم الحساب، فإنّه اليوم الذي تتهاوى فيه الاعتبارات الفانية، ولا يثبت غير ميزان الحقّ والعدل، والله لا يظلم لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنةً يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا.


وأقول لكلّ كاتب: إنّ الشّجاعةَ الحقّةَ ليست الاستقواء على الضعيف؛ فذلك أمرٌ يحسنه كلّ أحد حتى السباع في البرّيّة، ولكن الشّجاعة الحقيقيّة أن تقف موقف صدقٍ وثباتٍ أمام خطرٍ متوقع أو راجح.

وأقول لكلّ كاتب: ليس عيبًا أن تعجز عن المواجهة أحيانًا، فالناس مقامات، والمخاطر يمكن أن تكون أكبر منك، ولكن العيب أن تتشبع بما لم تعط، وأن تتظاهر بقوةٍ ليست فيك.. بل في الجدار الذي تقف عليه..

وأقول لكلّ كاتب: إنّ من الشّجاعة أيضًا أن تواجه نفسك، وأن تضع عينيك في عينيك على صفحة المرآة، وتصارح نفسك إن كنت تعلمُ مبلغك من الصدق فيما يبدو شجاعةً! وأن تعلم أنّ من يكسب نفسه وآخرته هو المفلح في نهاية المطاف.

والله يتولانا أجمعين، ويجعلنا من عباده الصادقين معه، ومع النّاس، ومع أنفسهم.

شارك

مقالات ذات صلة