علي البرغوث
في بلادٍ اعتادت أن تكمّم الأفواه، وُلد مشعل تمو لا ليصمت، بل ليكون صوتاً. لم يكن مجرّد سياسي كردي عابر، بل كان مشروعاً وطنياً يمشي على قدمين، يحلم بسوريا تتسع للجميع، ويؤمن أنّ الكرد ليسوا قضيةً منفصلة، بل شرياناً حيوياً من شرايين الجسد السوري الواحد.
النشأة: التمرد من الهامش إلى المركز.
وُلد تمو عام 1957 في مدينة “الدرباسية”؛ تلك النقطة الصغيرة على هامش الجغرافيا السورية، والتي كانت في قلب وجدانه. هناك تشكّلت ملامحه الأولى: التمرد، الكرامة، والبحث عن العدالة. انخرط مبكراً في العمل السياسي، لكنّه رفض أن يكون مجرّد رقم في صفوف الأحزاب التقليدية. كان يرى أنّ القضية الكردية أكبر من أن تُختزل في شعاراتٍ حزبية ضيقة، وأنّ الحرية لا تُجزأ.
في عام 2005، أسس “تيار المستقبل الكردي”، تياراً أراد له أن يكون جسراً بين الكرد والعرب، وبين الهامش والمركز. لم يكن سهلاً أن تكون كردياً وتدعو إلى وحدة سوريا في ظلّ نظام يقتات على التفرقة، لكن تمو فعلها بشجاعة، قائلاً: “نحن لا نريد دولة كردية، نريد دولة لكل السوريين، نكون فيها أحراراً ومتساوين”.
الثورة والطلقة الغادرة
حين اندلعت الثورة السورية عام 2011، لم يتردد تمو. لم يختبئ خلف الحياد، ولم يساوم على دماء الشباب. خرج إلى الشارع في القامشلي، وهتف باسم الحرية، فكان من أوائل الرموز الكردية التي انضمت علناً إلى صفوف الانتفاضة الشعبية. بالنسبة له، لم يكن ذلك موقفاً سياسياً فحسب، بل كان امتداداً لروحه الحرة التي دفعت ثمنها سابقاً سنوات من الاعتقال (2008-2011).
لكن الحرية في سوريا كانت جريمة كبرى. وفي صباح 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، اغتيل مشعل تمو في القامشلي برصاصات غدر استهدفت جسده، لكنّها عجزت عن قتل فكرته. خرجت جنازته في “سبت مشعل تمو” كأنّها انتفاضة شاملة، حيث ارتفعت صوره في كلّ المدن السورية، لا كزعيمٍ قومي، بل كرمزٍ لوطن كان يمكن أن يكون.
إرث الحلم: من الذي ورث “مشعل”؟
لم يكن اغتيال تمو مجرد تصفية جسدية، بل كان محاولة لاغتيال فكرة “السوري الكردي” الذي يرفض الانفصال ويتمسك بالانتماء. في اليوم التالي لرحيله، توحدت الهتافات لأول مرّة بين القامشلي وحمص ودرعا: “مشعل تمو شهيد سوريا”.
كشف اغتياله هشاشة الخطاب الحزبي التقليدي الذي تردد في الانخراط بالثورة. بدا تمو، رغم قصر تجربته، قد سبق الجميع بخطوات؛ إذ كان يرى أنّ الحياد في وجه الظلم ليس حكمة بل خيانة. ومع تغير خريطة القوى وعسكرة النزاع، بدت كلمات تمو وكأنّها نبوءة، حين حذر من أنّ الثورة لا تربح بالبندقية وحدها، بل بالوعي والكرامة.
الذاكرة والوجدان: حضور يتجاوز الزمن
رغم مرور أكثر من عقد على غيابه، ما يزال اسم مشعل تمو حاضراً كمرجعية أخلاقية في الخطاب السياسي المعاصر: على الصعيد الوطني: يُستحضر كأحد الأصوات القليلة التي وازنت بين الانتماء القومي والاندماج الوطني.
شعبياً: تحوّل إلى “الشهيد الحي” في وجدان الأكراد، يُذكر في المناسبات وتُرفع صوره كنموذج للسياسي النزيه الذي دفع حياته ثمناً لمبادئه.
بين الجيل الجديد: تُروى سيرته كقصة بطولة لجيل لم يعاصره، لكنّه يرى فيه بوصلة للهروب من الانقسامات الطائفية والقومية.
الفكرة لا تُغتال
بين “التقديس” الشعبي و”التوظيف” السياسي من قبل بعض الأطراف، يظل مشعل تمو يمثل “الطريق” الذي فُقد في زحام المدافع؛ الطريق الذي يرى في دمشق عمقاً للقامشلي، وفي القامشلي رئة لدمشق. رحل مشعل وبقيت عبارته الشهيرة: “لا بديل عن الحرية إلا الحرية”، لتكون منارة لمن يؤمن بأنّ الوطن الحقيقي هو الذي يعترف بجميع أبنائه دون استثناء.
