ضحى عبد الحميد السطم

يحتاج السوري اليوم دهراً للتغلب على أعباء الحرب المريرة، لكي يتخطى ويحاول أن ينجو من ندوب السنين العجاف، لكي يبدأ يرسم خططاً وأحلاماً دون التعثّر بأحجار الركام والأنقاض. لكن هذه النجاة ليست تغافل، ولا نسيان أو تجاهل لما فعله نظام الأسد على مدى عقود في هذا البلد الجريح، إنّ البدايات الجديدة لا تدفن ما قبلها من معاناة وتضحيات وموت، وطي الصفحة لا يعني إغلاق الكتاب. 

فمن حقّ سوريا الجديدة علينا اليوم، أن نربي أجيالنا ونعلّم أطفالنا ونذكّر أنفسنا بالثمن الذي دفعناه من أجل الحصول على هذه الحرية اليوم، هذه الحرية التي اقتلعناها من بين أسنان غيلان النظام البعثي واغتنمناها من بين رائحة الدماء والغاز السام والدخان الأسود، تشهد أجسادنا الغضة وأرواحنا الغرة بأنّنا طلبنا الحرية مرة وبحثنا عنها ألف مرة، وبأنّنا صحنا بها مرة ومتنا من أجلها ألف مرة.. فلمَ النسيان؟

ورغم أنّنا نتغنى اليوم بالصفحة الجديدة التي فتحناها، لكن علينا ألّا ننسى أنّ وسط هذه الصفحة البيضاء هناك لطخة سوداء كبيرة هي أثر الموت الذي قذفه النظام المخلوع فوق رؤوسنا، وفي الزنازين والأقبية، وبين المظاهرات وداخل البيوت والمدارس والمشافي، ومن أجل هذا السواد الذي خلّف آلاف الشهداء والمفقودين علينا أن نظل نتذكر أفعال الحزب البعثي، وأن نكتبها في مناهجنا الدراسية ونتحدّث عنها في محاضراتنا، ونؤرشفها ونؤرّخها ونستذكرها في كل الطرق الممكنة.. ثمّ نلعن الأسد مراراً وتكراراً. وليس الغرض من تلك الذكريات هو إحياء المشاعر السلبية، أو البقاء في دائرة الحرب ومخلّفاتها، بل سنبدأ بإعمار سوريا الحرة مجددا، فإذن لماذا العودة إلى الوراء؟ رُبَّ سائلٍ يسأل..

لو نظرنا إلى الأمر من زاوية ثانية، سندرك أنّ ما نفعله ليس العودة وإنّما المضي قدماً لكن الحرب التي عشناها، والمعارك التي خضناها، وقصص الاعتقال ومشاهد الموت وأصوات القصف وكلّ ما ارتكبه الأسد البائد بنا، أقول كلّ هذا هو جزء من هويتنا الحرة، وإثبات على وقوفنا في وجه الظلم ومع الحقّ، وتذكير دائم بأنّ الثمن الذي دفعناه يجعلنا نتمسك بوطننا أكثر بل ويجعل انتماءنا بسوريا أعمق، وإنّ وعينا بثمن الحرية يجعلنا ندرك أهمية هذه الحرية أصلاً وأهمية الحفاظ عليها إلى الأبد، فلقد دفعنا من أجلها سنين وأرواح وبيوت وأحلام وما يزال جيل الحرب اليوم ضائع يعاني جروحاً لا تندمل، إنّ الحديث عن سوريا التي كانت سوريا الأسد يعطينا شجاعة أكبر لحماية سوريا التي قالت عنها مي سكاف يوماً بأنّها سوريا العظيمة. فأسأل مجدداً لمَ النسيان؟

إنّ الجيل الذي وُلد بعد الثورة، في رحم الغربة ربما أو وسط سوريا الهشة الخائفة، لا يعرفون جذور المشكلة ولا تاريخ المحاولات المشرّفة لإسقاط الظلم، وإذا قررنا فتح صفحة جديدة وتهميش ما قبلها من كتب تتحدث عن أفعال الأسد هذا يجعل الأجيال اللاحقة تتعامل بلا مبالاة مع الحديث عن الثورة السورية وذكراها، أو التغافل عن المزاح بما يخص سجون الأسد المرعبة وحكايا المجازر المخيفة، وهذا بالضبط ما يُضعف أي حضارة ويهدم أيّ ثورة.. بل ويجعل المرء يتساءل هل استحقت الحرية الآن كل هذا الثمن؟

ليس فقط الجيل الجديد بل وحتى نحن الذين عشنا الحرب بتفاصيلها، إذا قررنا دفن كلّ الرعب التي شهدناه سنتوقف عن معالجة أنفسنا، وحتى الدول المجاورة والبعيدة إذا رأت سوريا الجديدة رمت كلّ تاريخ الحرب الثقيل ستنظر إلينا كدولة ضعيفة أساسها هش وحريتها مسلوبة دوماً، لكي لا نصل لهذه النقطة يجب ألّا ننسى الثورة ورموزها وأفكارها، وألّا نتناسى الأحياء التي دُمّرت والناس الذي هُجّروا والبلد الذي تآكل.

ونعود إلى سؤالنا مجدداً، لماذا يجب ألّا ننسى ما فعله النظام البائد بنا؟ لأنّ نسيانه يعني نسيان صيدنايا وحفرة التضامن ومجزرة الكيماوي وسقوط حلب، ثمّ نسيان عبد الباسط الساروت وحجي مارع وغياث مطر وحسين هرموش ومازن الحمادة والكثير من الشخوص الذين يستحقون أن يُذكروا إلى الأبد، ولأنّ نسيانه يعني خلق جيل هش يتغافل عن تضحياتنا والثمن الذي دفعناه ولا يشعر بانتماءٍ حقيقي نحو الوطن، وثمّ نتهاون عن تقديم رجال النظام القديم للعدالة أو نتكاسل عن شرح عقد كامل من الثورة أو نُهمل ندوبنا الشاهدة على الحرب، فلنغير السؤال إذن من لمَ التذكير الدائم بشبح الموت القديم؟ إلى لمَ ننسى ثمن الحرية التي دفعناه بدمائنا؟

أحدث الصوتيات

مساحة مفتوحة للأقلام الشابة والعقول المبدعة، من مختلف الاهتمامات والانتماءات والبلدان.