يونس العيسى

 

كثيراً ما تختلط السياسة بالكوميديا والمآسي، وتجد جمهوراً يتفرج، يصفق بالبدايات ويبكي في النهايات، بينما يتزعم الجمهور سياسيون وعسكريون على الخشبة يؤدون أدواراً لا يعرفون نهايتها، وتنظيم قسد يصلح أن يكون نموذجاً تراجيدياً يدرَّس في فلسفة السياسة المضحكة، وكيف يمكن للسياسة أن تصنع مليشيا تصوغ لها شعارات ظاهرها الديمقراطية والتحرّر، وباطنها بندقية مأجورة تحرس النفط والثروات، وعقول زعامتها أركوزات تبيع شعارات على أرصفة الطرقات؟

تنظيم قسد كان مسرح عرائس، فقيادته وعسكره لم يستطيعوا إمساك خيوط ألعاب السياسة، فقد كانوا مجرّد دمى يتلاعب بها الصانع، ولم يكن قائدهم يقرِّر، بل يُقرَّر عنه، كان صورة فقط، لكن القرار عند قيادات حزب العمال الكردستاني، وفي مسرح السياسة لم يكتب المخرج الأمريكي النص جزافاً، بل خطط له ودعمه كحراسٍ مخلصون يعملون بالأجرة بوجود عسكر يتقنون الطاعة أكثر من فن الحكم، وقيادة مسلوبة الإرادة.

وبذلك تجعل منك السياسة أضحوكة عندما تكون دمية يحرك عضلات وجهك الصانع حيناً، ويبكيك أحياناً، بينما تظلّ القيادة المضحوك عليها توحي أنّها سليمة وقادرة على التوازن بمسرح السياسية المتغير والذي يمسك كلّ خيوطه ترامب والدول الفاعلة بالشأن السوري.

سعى تنظيم قسد منذ تشكيله بالعزف على وتر المكون الكردي، وكذلك غيره من دعاة الانفصال بمحافظة السويداء، وفلول نظام الأسد بالساحل السوري، وبعد تحرير سوريا وإسقاط نظام الأسد، أصبح بعض متزعمي المكونات يرى في رأسه حلاً يريد من خلاله كيان يتزعمه ويسرد مظلومية يطلب من خلالها التدخل الخارجي.

في حين أنّ المكون الأكبر من العرب السنة والذي دفع الفاتورة الأكبر من قتلٍ واعتقال وتهجير في مواجهة آلة القتل الأسدية وحلفائه الذين صبوا كلّ نيران حقدهم عليه، فالشعب الثائر في سبيل تحرر كلّ البلاد بكل أعراقها وطوائفها، كان يريد استعادة الدولة من سلطة مستبدة صيرتها مزرعة دون تفريخ كيانات سياسية وعسكرية تشكل خطراً على الدولة بالتحوُّل إلى كيانات عرقية وطائفية.

المعركة ضدّ تنظيم قسد في حلب وريفها لم تكن ضدّ مكون، بل ضدّ من يريد أن يصبح كياناً موازياً مستقلاً ضمن الدولة ويهدّد بسلاحه سلامة كلّ المكونات، فتنظيم قسد عمل على تعزيز الاستحواذ الجيو-هوياتي، بينما في سوريا لا خطر ينبع من التنوع العرقي والطائفي وغيره، بل الخوف من استعمال الهويات الفرعية أداة داخل المجتمع متعدد الهويات، حينها يصبح أيّ توتر قابل للتأجيج إذا ما تمّ توجيه الاختلاف في الهويات إلى خلافٍ سياسي بدل فضاء التنوع، وحينها تتحوّل الهويات إلى كيان وتُقاد بخطابٍ متزعم مفرق يطالب أبناؤها بالالتفاف حوله ويصبح عرضة للاستثمار الخارجي. خصوصاً من القوى التي تبحث عن نقاط ضعف داخل الدولة، والقوى الخارجية لا تكتفي بالمراقبة، بل تسعى إلى تغذية التوترات المحلية عبر دعم سرديات تمنح الحركات الهوياتية شعوراً أنّ لها كياناً منفصلاً ويتمّ دعمها عبر الإعلام والعمل على تحويل مسائل تنوع الهويات إلى ملفات سياسية قابلة للتدويل.

وبدل الطلب من دعاة الانفصال الانصهار ضمن الدولة، يجري تضخيم خطاباتهم لتبدو أكبر من حجمها الواقعي، وخلق صورة مشوشة لمظلومية هوية ما، وتقديم الهويات كأنّها البديل الطبيعي لسلطة الدولة.

وليس هناك أيّ مشكلة في تنوع الهويات بل المشكلة في تسييسها من الداخل، والاستقواء بالخارج، في حين أنّ الدولة تسعى إلى حماية التعدّد، ومنع الانقسام للحفاظ على وحدة الكيان السياسي للدولة في مواجهة ما يمكن تسميته بالاستحواذ الجيو-هوياتي الذي كانت تدعو له قسد بالشراكة مع فلول نظام الأسد، وجماعة الهجري بالسويداء.

لم تعد مليشيات قسد تعيش أزمة عابرة يمكن تطويقها بحزمة إجراءات ولا بسياسة المماطلة، بالمفاوضات. فما يجري اليوم على قسد هو لحظة افتضاح كاملة لبندقية مأجورة استنفذت ذخيرتها وزمنها، وباتت عاجزة عن إنتاج أيّ معنى سياسي مقنع للمتاجرة بقضية الشعب الكردي الذي أنهكته شعاراتها الزائفة ووعود تآكلت باسم الديمقراطية والانفصال انتهت إلى مليشيا منهارة وقيادة مرتبكة وشعب لم يعد يصدق.

فاليوم وصلت قسد إلى لحظةٍ لم يعد لتصريحات قادتها أيّ وزن، ولا تجد تبريراتهم عند جمهورهم وحاضنتهم أيّ صدى، وإخراج قواتها من حلب وريفها لن يتوقف وسيشمل التحرير كلّ الجزيرة السورية.

قوات مليشيا قسد كانت مهمتها وظيفية استخدمتها أمريكا والتحالف الدولي، لحراسة المناطق التي سيطرت عليها عقب هزيمة تنظيم داعش حيث تحتوي تلك المناطق على ثروات سوريا الاستراتيجية، وليس لحماية الشعب الكردي أو غيره من المكونات التي تعيش في تلك المناطق كما تدعي.

ما يحدث من انهيار لقوات قسد ليس انسحاباً تكتيكياً أو اضطرارياً، بل قراراً سياسياً ممّن دعمها وصنعها حيث انتهت مهمتها، ويجب أن تستعيد الدولة السورية سيطرتها على كامل الجغرافية السورية.

فقسد عاشت بوهم وما زالت تظنّ أن تحالفها مع الولايات المتحدة يشكّل ضمانة لوجودها، ونسي قادتها أنّ أمريكا لا تصنع ديمقراطية ولا تُمنح بدون مقابل، بل تحمي مصالحها الاستراتيجية ومناطق نفوذها التي تؤمن لها الممرات الآمنة، وعندما تحصل على ذلك تنهي عقد الحارس الذي استأجرته.

فعقد قسد مع أمريكا وغيرها لم يكن قائماً على توازن وشراكة استراتيجية، بل هو عقد مأجور لقتال داعش قائم على التبعية ومن يحدّد ساعة التخلي عنها هو الممول والداعم الذي يدعم تلك المليشيا كحارسٍ أمني، لا كشريك سياسي.

تنظيم قسد لم يستطع أن ينفصل تتنظيمياً وفكرياً عن حزب العمال الكردستاني خاصة من خلال قيادات قواته المسماة “وحدات حماية الشعب” التي انضمت له وقامت بتدريباته، هذا الارتباط زاد حدة الانقسام داخل مكوناته العسكرية، وتعدد رؤى التيارات المنقسمة، بين تيار وظيفي ضعيف يرى وجوب الاندماج مع الدولة السورية، وتيار يخشى فقدان مكاسبه السياسية والعسكرية ويحاول ابتزاز الدولة السورية حتى يحصل على ميزات تحفظ مكتسباته، في حين يرى التيار القوي والمرتبط عقائدياً بحزب العمال الكردستاني أنّ السلطة في دمشق لا تمثّله ويجب التحالف مع دعاة الانفصال بالجنوب والساحل ويرفض الاندماج مع الجيش السوري.

ففي 10 آذار من العام الماضي، أُعلن عن اتفاق بين قسد والحكومة السورية، ونصّ على  وقف إطلاق النار، وحقوق التمثيل السياسي للمكونات المختلفة، واندماج قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تفويض لجان فنية وسياسية بمتابعة الاتفاق، على أن تتمّ عملية الاندماج نهاية العام الحالي.

وكذلك عملت الولايات المتحدة الأمريكية الراعية للاتفاق على تحديد علاقتها مع قسد ضمن الإطار الجديد للدولة السورية، وهذا الاتفاق لم تلتزم به قسد ولم تدرك قيادتها أنّ عقد تحالفها مع أمريكا أوشك على الانتهاء بتقليص الولايات المتحدة وجودها العسكري في الجزيرة السورية بعد إنجاز مهمتها، وهو ما أكدته على لسان مسؤوليها أكثر من مرّة، وأصبح عدد القواعد العسكرية في سوريا 3 قواعد بعدما كان عددها 8 قواعد، مع التخطيط لبقاء قاعدة واحدة.

ما حدث من تغيّر سياسي وعسكري على الخارطة السورية لم تدركه قيادة قسد، وأنّ التسويات السياسية قد تجاوزتها بظلّ رعاية إقليمية ودولية، منطقها الخلاص من المليشيات الخارجة عن سلطة الدولة الأم، وأنّ قسد بمكونها العسكري والسياسي لا تشكّل ضمانة حقيقية لحقوق الشعب الكردي، بل شكّلت أداة وظيفية ظرفية، لا كواجهةٍ وطنية تمثل كرد سوريا، فيما كانت تُدار وتُمول لتحقيق مصالح دولية.

قسد اليوم أمام طريق مسدود وسوف ينتهي عمرها فالسياسة لا ترحم من يراهن على صدقها، والأداة التي لم تعد تحقق المصالح  تباع في أول صفقة.

 

أحدث الصوتيات

مساحة مفتوحة للأقلام الشابة والعقول المبدعة، من مختلف الاهتمامات والانتماءات والبلدان.