– الكاتب: علي البرغوث
في صباح 17 آب/ أغسطس 2017، أسلمت الفنانة السورية فدوى سليمان روحها في أحد مستشفيات العاصمة الفرنسية، بعد صراع طويل مع مرض السرطان، عن عمر ناهز 47 عامًا. رحلت سليمان بعيدًا عن وطنها، لكنها تركت أثرًا لا يُمحى في ذاكرة السوريين، كواحدة من أبرز الأصوات النسائية التي واجهت النظام السوري علنًا، متحديةً الصورة النمطية للطائفة العلوية، التي ينتمي إليها الرئيس المخلوع بشار الأسد.
ولدت فدوى في مدينة حلب عام 1970، ودرست في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، حيث بدأت مسيرتها الفنية في التسعينيات، وشاركت في أعمال تلفزيونية ومسرحية وإذاعية، إلى جانب أدائها الصوتي في عدد من أشهر مسلسلات الرسوم المتحركة التي شكّلت وجدان جيل عربي كامل.
لكن شهرتها الحقيقية لم تأتِ من الشاشة، بل من الشارع. ففي عام 2011، ومع انطلاق الثورة في سوريا، ظهرت فدوى سليمان في الصفوف الأولى للمظاهرات السلمية، خاصة في مدينة حمص، إلى جانب الناشط عبد الباسط الساروت، متحديةً الرواية الرسمية التي حاولت تصوير الحراك الشعبي صراعاً طائفياً.
انتماء فدوى للطائفة العلوية لم يمنعها من الوقوف ضد النظام، بل جعل موقفها أكثر جرأة. في تصريحاتها، أكدت أنها لا تنتمي إلى أي طائفة، بل إلى الشعب السوري، ورفضت أن يُستخدم الانتماء الديني أداة للفرز السياسي. قالت ذات مرة: “الدكتاتورية لا دين لها ولا طائفة، وأنا أنتمي لسوريا، لا لأي تقسيم طائفي”.
لاحقتها قوات الأمن، واضطرت إلى التنقل بين المنازل، وقصّت شعرها لتتخفى، قبل أن تغادر سوريا عام 2012 عبر الأردن، وتستقر لاحقًا في باريس.
في فرنسا، واصلت فدوى نشاطها الثقافي والسياسي، فشاركت في مهرجانات أدبية ومسرحية، وكتبت نصوصًا شعرية ومسرحية، منها ديوان “كلما بلغ القمر”، ونص “العبور” الذي تُرجم إلى الفرنسية. بقيت حاضرة في الفعاليات المناهضة للنظام السوري، وظهرت في تسجيلات مصورة تدعو إلى استمرار الاحتجاجات السلمية، رغم المرض والمنفى.
وفاتها أثارت موجة من الحزن في أوساط المعارضة السورية، ونعى الائتلاف الوطني السوري الفنانة بوصفها “رمزاً من رموز الثورة”، فيما كتب الفنان فارس الحلو: “الزميلة والصديقة البطلة فدوى سليمان.. أجبرت العالم على رؤية الحقيقة”.
رحلت فدوى سليمان، لكن صوتها بقي شاهدًا على لحظة نادرة في التاريخ السوري، حين وقفت امرأة من قلب الطائفة الحاكمة، لتقول: “الشعب السوري واحد.”
