الكاتب: يوسف الراوي
في زاوية من زوايا غزة، حيث تتكدس الخيام وتتوارى الأحلام، كان يقف الصحفي الشاب “أنس الشريف”. لم يكن مجرد صحفي يحمل ميكروفون، بل كان شاهداً، ومؤرخاً، وناقلاً للحقيقة.
لم تكن الكاميرا أمامه مجردة أداة عمل، بل سلاحاً في معركة الوعي؛ ومع استشهاده: تحول أنس من شخص يوثق الحدث إلى حدث بحد ذاته، ومن مجرد صحفي إلى أيقونة تختصر أزمة ضمير عالمية متعددة الأوجه.
هذه المقالة ليست رثاءً لشهيد… بل تحليلاً لواقع يتجسد فيه مصير “الشريف” أنس كجزء من قصة أكبر.
ولد أنس الشريف في مخيم جباليا عام 1996، في بيئة مليئة بالظلم والعدوان؛ لم يختر أنس الصحافة بحثاً عن الشهرة أو المجد، بل كان شغوفاً بنقل معاناة شعبه.
تدرج أنس في المهنة، بدءاً من العمل التطوعي وصولاً إلى العمل مراسلاً لقنوات فضائية، وكانت مسيرته المهنية تتشكل من خلال خبرته الحياتية في قطاع غزة المحاصر. صيرته الأوضاع شاباً طموحاً تضحوياً، وهذا ما يتجلى لنا من خلال وصيته الأخيرة التي قال فيها: “هذه وصيتي، ورسالتي الأخيرة؛ إن وصلتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي”.
إن قصة أنس الشريف هي قصة كل صحفي فلسطيني يواجه خطر الموت يومياً؛ فوفقاً لتقارير صحفية، استشهد ما يزيد عن 250 صحفياً فلسطينياً خلال العدوان الأخير على غزة. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي دليل قاطع على استهداف ممنهج للصحافة الحرة في فلسطين عامة، وغزة بشكل خاص؛ في محاولة يائسة لطمس الحقائق ومنع العالم من رؤية بشاعة الجرائم المرتكبة من المغتصب المجرم.
لقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي ثورة في طريقة تفاعلنا مع القضايا، لكنها في الوقت نفسه حوّلت “المقاومة” في كثير من الأحيان إلى مجرد “بوست” أو “ستوري” عاطفي.
أصبح الكثير من العرب والمسلمين يكتفون بالتعبير عن غضبهم على المنصات الرقمية، مما يمنحهم شعوراً زائفاً بالمشاركة ويزيل عنهم لوم التقصير؛ لقد تحولت المقاومة من عمل ميداني وجهد حقيقي إلى “مقاومة خاملة” تتبخر معها المشاعر بعد ساعات أو دقائق.
هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها بـ”التفريغ العاطفي”، هي نتيجة مباشرة لـ”سهولة” التعبير عن الرأي على منصات التواصل؛ حيث إنها تمنع تطور ردود الفعل إلى حركات فعالة وملموسة على أرض الواقع، سواء كانت مظاهرات حاشدة، أو حملات مقاطعة اقتصادية، أو حتى دعم حقيقي للمقاومة الفلسطينية.
إن قضية فلسطين العادلة تستحق أكثر من مجرد إعجاب أو مشاركة، فهي تتطلب عملاً جاداً ومستمراً ونوعياً.
لم يكن طوفان الأقصى مجرد عملية عسكرية، بل كان نقطة تحول كشفت عن عمق الأزمة في المنطقة.
لقد هزّت العملية أركان الكيان المحتل المجرم، وكسرت صورة “الجيش الذي لا يقهر”؛ لكن رد الفعل الإسرائيلي كان مدمراً، حيث استخدمت إسرائيل قوتها العسكرية المدمرة لتهجير أكثر من 1.9 مليون فلسطيني، وتدمير أكثر من 80% من المنازل في قطاع غزة، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة.
أما الموقف العربي، فقد كان مخيباً للآمال. فبينما كان الشارع العربي يغلي غضباً وتضامناً، بقيت معظم الأنظمة الرسمية في حالة من الصمت أو الاكتفاء بالبيانات الخجولة. لقد كان هذا الصمت بمثابة ضوء أخضر للاحتلال لمواصلة جرائمه دون خوف من رد فعل عربي موحد.
إن استشهاد أنس الشريف، وكل الصحفيين الذين سبقوه، ليس مجرد حادثة فردية؛ بل هو نتيجة حتمية ومباشرة لأزمة أكبر بكثير: أزمة الضمير العالمي، والتواطؤ الدولي، والصمت العربي الرسمي.
إن حكاية الشريف تذكرنا بأن الحقيقة هي أغلى ما يملك الإنسان، وأن الدفاع عنها هو أسمى أنواع المقاومة، وأن المقاومة ليست بالكلمات فقط يا أصحاب الحق.
