دينا تايه

 

حين تتحوّل السجون إلى عوالم مغلقة، لا يمكن أن نبدأ الحديث عن السجون والتعذيب والمعاناة دون أن نتذكّر أن ما يجمع بين فلسطين وسوريا ليست حدوداً في الخريطة، ولا نظاماً سياسيًّا أو فكراً محدّداً، بل وجع الإنسان حين يُسلب مصيره، ويمضي في الظلام بدون خبر، أو بحكايةٍ يرويها لاحقاً جرحى البقاء.

ومع هذه الحقيقة، يفصّل هذا المقال  المعاناة الفلسطينية، ثمّ يعرج إلى المعاناة السورية وقصصها المروّعة، لا من باب المقارنة أو الموازنة، بل من باب الشهادة الإنسانية على الألم حين يصبح واقعاً. في قلب هذه المعاناة، تتحوّل السجون إلى فضاءاتٍ تحبس الجسد والروح، حيث تختبر الإنسانية أقسى صورها.

في السجون الإسرائيلية، يخضع الفلسطينيون لإجراءات استثنائية قائمة على أوامر عسكرية خاصة، تختلف عن القواعد المتعارف عليها في القانون الدولي الإنساني. هذه الإجراءات تمنح سلطات الاحتجاز صلاحيات واسعة، من بينها الاحتجاز لفترات طويلة قبل بدء أيّ مسار قضائي فعلي، والتحقيق المكثّف في ظروفٍ قاسية، مع تقييد الوصول إلى المحامين خلال مراحل حساسة من الاعتقال، إضافة إلى اللجوء إلى الاعتقال الإداري القائم على ملفات غير مُعلنة.

ولا يتوقّف الأمر عند هذا الحد، إذ تُظهر الوقائع أنّ أطفالاً فلسطينيين يُحاكمون أمام محاكم عسكرية، في تجربةٍ قاسية تختطف سنوات من طفولتهم قبل أن تبدأ حياتهم الفعلية، وتترك آثاراً نفسية عميقة تمتد لسنوات طويلة.

ولا تقف المعاناة عند حدود الاعتقال، إذ تترك أساليب المعاملة القاسية داخل السجون آثاراً نفسية وجسدية ممتدة، وتشير شهادات أسرى محررين وتقارير حقوقية إلى أنّ الأسرى الفلسطينيين في عدد من السجون ومراكز الاحتجاز يتعرّضون لأنماطٍ متعددة من الضغط الجسدي والنفسي، تشمل الضرب والحرمان من النوم والعزل لفترات متفاوتة والإذلال النفسي والإهمال الطبي، إضافة إلى أساليب تحقيق قاسية تهدف إلى كسر الإرادة الإنسانية. هذه الممارسات التي طالت رجالاً ونساءً وأطفالاً، تخلّف آثاراً طويلة الأمد على الصحة الجسدية والنفسية للمعتقلين.

ومن بين القضايا التي لفتت أنظار العالم، تبرز قصة الأسير أحمد مناصرة، الذي اعتُقل في سن المراهقة، وواجه تجربة تحقيق قاسية وعزلاً طويلاً، حتى أصبح رمزاً لمعاناة الأطفال الفلسطينيين داخل منظومة الاعتقال، وهكذا، تتحوّل السجون في فلسطين إلى مساحة يُختبر فيها الإنسان في إنسانيته، لا في ذنبه

وفي سياقٍ آخر، يفرض الغياب القسري في سوريا سرديّة مختلفة للألم. إذا كانت السجون الإسرائيلية التابعة للاحتلال تُدار بإجراءاتٍ استثنائية، فإنّ السجون السورية ارتبط اسمها بالغياب القسري  والصمت الطويل. في كثير ٍمن الحالات، يدخل المعتقل إلى أحد الأفرع الأمنية دون معرفة سبب احتجازه، ولا يُتاح لذويهم معرفة مكان وجودهم ليبدأ سؤال معلّق بلا إجابة: هل ما زال حيّاً، أم أصبح من المفقودين؟

في أماكن احتجاز مثل سجن صيدنايا وغيره، تتحوّل الزنازين إلى فضاءاتٍ مغلقة على الزمن، حيث يعيش الإنسان فترات غير محدّدة في ظروف قاسية، تتعلّق بالحرمان من الضوء، ومن النوم المنتظم، ومن الطعام الكافي، في عزلة تجرّد الإنسان من أبسط مقومات الحياة، وفي محاولة لتوثيق الغياب والصمت، ظهرت ما عُرف لاحقاً باسم “صور قيصر”؛ صور فضحت أسرار الحجر، وكشفت جزءاً من الحقيقة المفقودة داخل السجون السورية.

شكّلت الصور التي عُرفت باسم “صور قيصر” واحدة من أهم لحظات التوثيق البصري لما جرى داخل السجون السورية. هذه الصور، التي سُرّبت من داخل منظومة الاحتجاز، أظهرت جثثاً لمعتقلين قضوا في ظروفٍ غير إنسانية، وكانت مؤرخة ومرفقة بإشارات واضحة إلى أماكن الاحتجاز.

لم تكن هذه الصور مجرّد مشاهد صادمة، بل وثائق فتحت باب الأسئلة الكبرى حول مصير آلاف المعتقلين الذين لم تُعرف أسماؤهم حتى اليوم، وبقيت عائلاتهم معلّقة بين أمل ضعيف وخوف ثقيل.

 

ورغم هذه المعاناة، يظل السؤال الأثقل على العائلات: هل سيعود أحباؤهم أم لا؟

في فلسطين وسوريا، يبقى العبء الأثقل على العائلات.. عائلات تنتظر خبراً واحداً يضع حدًّا للقلق المستمر، عودةً كانت أو معرفة ما ستؤول إليه الأيام. ففي فلسطين، تعيش عائلات الأسرى حالة انتظار طويلة، يرافقها ترقّب دائم لمسار الاعتقال وما يحمله من احتمالات غير واضحة، في ظلّ إجراءات تمتدّ وتتشابك، وتترك الأهالي معلّقين بين الصبر والقلق. وفي سوريا، تبرز عائلة الدكتورة رانية العباسي، التي ما زالت تبحث عن أطفالها المفقودين، وهي على يقين بأنّهم على قيد الحياة، لكن الغموض يلفّ مصيرهم، ويبقى السؤال معلّقاً: أين هم؟ وأين اختفوا؟

هذه ليست قصة واحدة، بل آلاف القصص التي لم تُروَ بعد، قصص تعيش في ظلّ الانتظار، وتبحث عن لحظةٍ تنهي هذا الألم المفتوح ومع استمرار هذا الانتظار، يتضح أنّ الألم واحد، مهما اختلف المكان أو الظروف.

قد تختلف السياقات، وتختلف الأسباب، وتختلف الروايات، لكن المعاناة تنتهي إلى حقيقة واحدة: إنسان جُرِّد من حريته، وعائلة تنتظر، ووجع لا تنهيه الكلمات. في فلسطين، تذكّرنا قصة أحمد مناصرة أنّ الطفل قد يتحوّل إلى رقم خلف القضبان، وفي سوريا، يذكّرنا الغياب الطويل بأنّ الصمت قد يكون شكلاً آخر من أشكال العذاب. لكن الألم واحد، والإنسانية واحدة.

وبينما يبقى الألم واحداً، تظهر الحقيقة المرة، هؤلاء الشهداء ليسوا مجرّد أرقام في سجلات أو ملفات الأرواح التي فُقدت في فلسطين وسوريا لم تكن أرقاماً في ملفات. لكلّ روح حلم، ومستقبل، وحياة كاملة لم تكتمل. انتهت أحلام كثيرة خلف الجدران، لا لأنّ أصحابها سعوا إلى الموت، بل لأنّهم طالبوا بالأمان في زمن أصبح فيه الأمان عبئاً، والحرية تهمة.

أختم هذا المقال بالدعاء لأسرانا في فلسطين، وللمفقودين في سوريا، ولعائلاتهم التي ما زالت تحمل في قلوبها صبراً لا ينفد وألماً لا يزول. أسأل أن يربط الله على قلوبهم، ويمنحهم القوة والسكينة، وأن تبقى الإنسانية شعلةً لا تنطفئ وسط الظلم والصمت. لأنّ الألم واحد، والوجع واحد، والأمل في الحرية هو ما يجعلنا نحتفظ بإنسانيتنا رغم كلّ غياب، وكلّ ألم، وكلّ انتظار.

أحدث الصوتيات

مساحة مفتوحة للأقلام الشابة والعقول المبدعة، من مختلف الاهتمامات والانتماءات والبلدان.