يونس العيسى 

في عام 2011 بدأ عد السنين عند الشعب الثائر على نظام الأسد، وأصبح عدّها ليس مجرّد قلب رزنامة وتقويم، بل سنوات تذهب وأخرى تُستقبل تزيد بعمر سنوات ثورتهم، وتنقص عدد ورقات عمر نظام طاغية مجرم مارس على مدار سنوات حكمه كلّ أشكال العذاب والهوان على الشعب.

السوريون يستقبلون عاماً جديداً وهو أكبر من أرقامٍ وأعوام متتالية، عام على سقوط الدكتاتور الذي بشره أطفال درعا أنّ سنين عمره قد بدأ عدها التنازلي وسيرحل لا محالة، وها قد فرّ هارباً خارج البلاد.

والآن مطلوب من الشعب السوري على اختلاف أعراقه وطوائفه الوقوف على أطلال نظام بائد والتأمل بوعيٍ عميق في أن الشعوب لا تنتظر الأعوام لتتغير، بل يجب أن تغيّر ماضيها بإرادتها، وتكتب واقعها بقرارها، وتصنع دولتها بإجماعها ووحدتها.

طيلة السنوات الماضية خدعت مواعيد عراقيب السياسة الشعب السوري بقرب الانفراج، وأنّ تصديق تصريحات مسؤولي الدول الفاعلة بالشأن السوري كفيلة بتبديل الأحوال، لكن التجربة السورية فاجأت الجميع، وأثبتت الثورة السورية أنّ تضحيات الشعب الثائر وصموده على مدار سنواتها هو من صنع النصر والتحرّر.

اليوم، مع تحرّر سوريا من سلطة نظام مستبد وما تشهده الساحة السورية من تحوّلات متسارعة، وما يعيشه السوريون من حراكٍ سياسي تجاه بلادهم، يتطلب الوعي أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وسيادة الدولة على كلّ التراب السوري، وصياغة مشروع وطني لكلّ مكونات الشعب السوري فيما تمنحه الشرعية إرادة الناس الحرة.

سوريا الآن تودع عاماً وتستقبل آخر لأنّ عداد السنين يفرض ذلك، والسوريون يفتحون مرحلة جديدة من تاريخهم، يعرفون فيها أنّ حقوقهم بالحرية والكرامة تُنتزع ولا تُمنح، وأنّ سيادة الدولة تُصنع ولا تُهدى، وأنّ الطريق إلى الدولة يمرّ عبر الوعي، والعمل، لا عبر التطبيل والتصفيق.

ما بين 2011 وبداية عام 2026 لم تكن السنوات سوى رزنامة تعد أحلام الشعب الثائر بالتحرر، لم تخبُ وتضعف إرادتهم فهم من قرّر إسقاط نظام الأسد دون الالتفات لعدد سنوات القهر والتهجير وحجم التضحيات، فإرادة الشعب في الحياة بكرامةٍ ظلّت حية وما زالت مستمرة.

والمطلوب الآن تنقية الصفوف بتطبيق القانون والعدالة وتصحيح المسارات، وهدم ما تبقى من أركان نظام الأسد وبناء الدولة بالعمل، فالشعب الثائر الذي خبرته الجراح، وصقلت أرواحه المحن والتهجير وفقد الأحبة، يدرك قيمة الأرض والهوية، ومعنى الوطن وبات كلّ حدثٍ يمر درساً إضافياً في صناعة الدولة لا مجرد يوم عابر في الزمن.

السوريون أمام لحظة فارقة في تاريخ وطنهم، ولا جدوى من النظر إلى تبدّل أرقام السنين، بل إلى كيف تبدأ سوريا عمراً جديداً، وهو قرار جماعي يجب على الجميع التمسك به، وتحصين البيت الداخلي، والاستعداد لبناء دولة الحريات والقانون التي ينتظرها شعبنا منذ عقود، دولة كاملة السيادة على هويتها وحدودها.

تبدّل السنوات والأمنيات وتغيّر أرقام التقويم لن يغيّر شيئاً في الواقع، ما يصنع الفارق بين الماضي والحاضر هو وضوح الهدف، وقيادة تلبي مطالب الشعب، واستعداد كلّ فردٍ لأن يكون جزءاً من مشروع بناء الدولة، حينها فقط، تصبح الأعوام مجرّد شاهد على ما يصنع السوريون.

سوريا ليست على  أبواب عام جديد بقدر ما هي على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخها، ولنجعل من حاضرها منصة لإعلان ما آمن به الشعب الثائر، الشعب الذي اختار طريقه، وقرّر مصيره بأنّ يعيش في دولة حرية وكرامة، لا دولة أنهكت السلطة البائدة سنوات عمرها.

على بوابة السنة الجديدة عمّ بياض الثلج أغلب الجغرافية السورية، وفتح مساحة من الفرح والحزن معاً، فرح بغسل أدران الماضي، وحزن على ما خلفه من برد وصقيع على ساكني الخيام التي سكنوها بفعل تهجير النظام البائد الذي أصبح من رزنامة الماضي.

والثلج في الأصل ماء إلا أنّه نتيجة البرودة العالية أصبح كتلة صماء متجمدة تميّزت عن أصلها، سرعان ما تذوب تدريجياً وتفقد خصائصها السابقة وتصبح مرة أخرى ماء، ومن سقوط الثلج، نذكر أنّ سوريا الجديدة بدأت بعد زوال نظام الأسد، هذا النظام الذي خلف وراءه مفاسد وأزمات كثيرة كبرت مع سنوات حكمه كما تكبر كرة الثلج بتدحرجها، والآن مطلوب إذابة هذه الكرة بجميع الجهات ومختلف النواحي، والخلاص من برودة الثلج وردم ما خلفه من فجوات، ولا يمكن إذابته برصف الشوارع أو توزيع محروقات، بل نحتاج لأفعال حقيقية متراكمة لتذيب ما يمكن إذابته من جليد شكل حاجزاً كبيراً بين المواطن والسلطة، ونقاط خلاف بين مكونات الشعب.

فلا خطر في سوريا ينبع من التنوع العرقي والطائفي وغيره، بل الخوف من استعمال الهويات أداة تدخل داخل المجتمع المتعدد الهويات حيث يصبح أيّ توترٍ قابلاً للتأجيج، يكبر ككرة الثلج إذا ما تمّ توجيه الاختلاف في الهويات إلى خلافٍ سياسي بدل فضاء التنوع ويصبح عرضة للاستثمار الخارجي خصوصاً من القوى التي تبحث عن نقاط ضعف داخل الدولة.

القوى الخارجية لا تكتفي بالمراقبة، بل تسعى إلى تغذية التوترات المحلية عبر دعم سرديات تمنح الحركات الهوياتية شعوراً بأنّ لها كياناً منفصلاً وتدعمها عبر الإعلام والعمل على تحويل مسائل تنوع الهويات إلى ملفات سياسية قابلة للتدويل.

ففي شمال سوريا هناك من يطالب بفدرالية على أساس عرقي، وبجنوبها وساحلها من يعلو صوته على أساس مذهبي، وهناك قوى خارجية تؤيد هذه الأصوات وتدعمها للانتقال من مرحلة التحريض إلى التنفيذ.

قسد رغم توقيعها اتفاقاً مع الحكومة السورية ما زالت ترواغ بسلاح المماطلة السياسية، وهذا السلاح تستعمله كأسلوب تأجيل وتعطيل الاتفاقات بهدف كسب الوقت، وتغيير موازين القوى، وتشتيت الانتباه عن قضايا جوهرية، وهو تكتيك تستخدمه المليشيات لإضعاف الدولة وتحقيق مكاسب مباشرة وغير مباشرة.

يعمل سلاح المماطلة من خلال تأجيل ما اتُّفق عليه مع الحكومة، وإطالة المفاوضات وإدخال تعقيدات إجرائية وطلب المزيد من الوقت لاستنزاف طاقة الحكومة وجرها للصدام المباشر ومن ثم طلب الحشد والدعم من القوى الخارجية.

وأهداف المماطلة التي تستخدمها قسد: الحفاظ على المناطق التي تحتلها بحلب وريفها وشرق سوريا وجعل المفاوضات والاتفاقات الجديدة تصبّ في مصلحة المماطل، إرهاق الدولة واستنزاف صبرها، ودفعها لتقديم تنازلات.

بينما فلول النظام البائد وغيرهم من دعاة الانفصال، يعملون بعقلية الإفلات من العقاب والتأخر بتطبيق العدالة الانتقالية، وإعادة إنتاج ذات المنظومة التي أسقطها الشعب بالثورة عليها.

إنّ الذين يزايدون اليوم بالشعارات الطائفية والعرقية هم أنفسهم من واجه الشعب الثائر الذي نبذها وأراد تحرّر كلّ الشعب بمختلف طوائفه وأعراقه، وأجهضوا الانتصار المبكر للثورة، وأطالوا عمر نظام الأسد لسنواتٍ عديدة، وهم أنفسهم من يتحدّث اليوم عن الكرامة والحقوق والحريات بينما كانت تُنتهك كرامة الإنسان السوري كلّ ساعةٍ على مدار سنوات ماضية وتُحتل الأرض ويُهان المواطن ويُقتل ويُجبر على النزوح.

الشعب الثائر كان وما زال يريد وطناً بدون خطاب تحريضي يقسم الشعب ويستنزف الدولة، فالكرامة الحقيقية كانت بإسقاط نظام الأسد وحماية الشعب من طغيانه وبناء دولة مدنية وجيش واحد وسلاح واحد وشعب واحد، بينما إعلام  الفلول ودعاة الانفصال يمارسون تضليلاً ممنهجاً يضر بالقيم والهوية والأمن والاستقرار ويحرض على جعل البلاد ساحة حرب بين مكونات الشعب وزيادة كبر وبرودة كرة الثلج بتدحرجها بينهم.

والخطاب التحريضي لن يصنع وطناً لفئةٍ ما، ولن يمنح شرعية لسلاح ولن يُسكت صوت شعب ذاق طعم الحرية ويرفض العودة إلى قيد المنظومة البائدة.

وحتى لا تكبر كرة ثلج الفلول والانفصاليين في التدحرج، ومن يدفعها ومن يقف وراءها، يجب أن يدرك هؤلاء جميعاً أنّ الدولة هي الوعاء الجامع لكلّ المكونات، وأنّ إعادة تكوين النسيج الاجتماعي السوري هي الرابطة الأساس بين كلّ أفراد المجتمع على اختلاف طوائفهم وأعراقهم، وتذوب في بوتقة الدولة كونها المؤسسة التي تعلو فوق التكوينات والهويات الفرعية الضيقة وتحيد آثارها السلبية، فالدولة أم الجميع وهي التي تحمي أمنهم الشخصي والإنساني وحرياتهم الفردية والضامن لحقوقهم، فلا يقعوا ضحايا لما تضطرهم إليه الهويات الدنيا ويتنازلوا عن جوهر حرياتهم للأعراق وزعيمها، والطائفة وأئمتها، والقبيلة وشيوخها، والجماعات وقادتها وأمرائها.

فرابطة الدولة تعلو على كلّ الهويات والجماعات والإثنيات، وهي ملك الجميع دون أيّ تمييز عرقي أو إثني أو ديني أو طائفي، فالجميع متساوون في الحقوق والواجبات، وبذلك نستطيع بناء دولة المؤسسات التي تعزّز الشعور بالمواطنة والمسؤولية تجاه الدولة التي تتجاوز التعريفات الضيقة.

أحدث الصوتيات

مساحة مفتوحة للأقلام الشابة والعقول المبدعة، من مختلف الاهتمامات والانتماءات والبلدان.