أنس حوى

لا يمكن قراءة مشهد خروج ميليشيات “قسد” ومعها كوادر “حزب العمال الكردستاني” (PKK) من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب على أنها مجرد إعادة تموضع عسكري أو انسحاب من بضعة كيلومترات في منطقة جغرافية معزولة؛ بل هو “جرس إنذار” يعلن رسمياً نهاية مرحلة “اللعب على التناقضات” التي أتقنتها قسد لسنوات طويلة. 

اليوم، ومع التغيرات الجيوسياسية الجذرية التي طرأت عقب سقوط النظام البائد، وانهيار قوى كبرى كانت لاعباً رئيسياً في المشهد السوري، تجد التنظيمات الانفصالية نفسها أمام حقيقة مرة: إن التحالفات التكتيكية والغطاءات المؤقتة التي حمت هذه الجيوب لم تعد صالحة للاستخدام في المشهد السوري الجديد.

تفكيك منطق “الوكيل المؤقت” وتحولات السياسة الأمريكية

تجاوزت واشنطن فعلياً مرحلة “الضرورات العسكرية” التي فرضتها الحرب على تنظيم “داعش”، وهي المرحلة التي منحت القوى غير الرسمية “شرعية مؤقتة”. في السابق، كانت الإدارات السابقة ترى في قسد “أداة فعالة ومنخفضة التكلفة” لضبط التوازنات الميدانية، لكن هذا النهج بدأ يشهد تحولاً تدريجياً في إطار إعادة تقييم أوسع لجدوى الاعتماد على التنظيمات المسلحة غير التابعة للدولة. 

تسارع هذا التحول وتبلور بشكل أوضح في ظل إدارة ترامب، حيث بدأت الولايات المتحدة في إعادة صياغة سياساتها في المنطقة على أساس أن الاستقرار المستدام لا يُبنى عبر “تنظيمات انفصالية عابرة للحدود”، بل من خلال “دول وحكومات شرعية” قادرة على اتخاذ قرارات سيادية وتحمل مسؤولياتها القانونية والأمنية أمام المجتمع الدولي.

هذا التحول في واشنطن أدى إلى رفع الغطاء السياسي تدريجياً عن المشاريع التي تفتقر لمقومات الدولة. فالمقاربة الأمريكية الجديدة، التي تبلورت بعد سقوط النظام السابق وتسارعت مع فريق ترامب، لا تؤمن بـ “إدارة الأزمات” بل بـ”حل الصراعات” عبر صفقات كبرى بين الفاعلين الدوليين والإقليميين. ومن هنا، بات نموذج “قسد” يمثل عائقاً أمام التفاهمات مع أنقرة من جهة، وأمام بناء الدولة السورية المركزية الجديدة من جهة أخرى، مما جعل التخلي عن “الجيوب المعزولة” (مثل الشيخ مقصود والأشرفية) أولى ثمار هذا التحول الاستراتيجي.

مثلث الضغط الإقليمي وانهيار ورقة المقايضة

يأتي انسحاب حلب ترجمة ميدانية لصعود مثلث التفاهمات (التركية – السورية – الأمريكية) الذي بات يتحرك بتناغم لم نعهده سابقاً. فقد كان تعنت قيادة “قسد” في تنفيذ التزاماتها السياسية والميدانية، ولا سيما بنود “اتفاق 10 آذار” الذي نص على طرد العناصر غير السورية من صفوف التنظيم وتسليم آبار النفط والغاز والمعابر الحدودية، إضافة لانتهاكاتها الأخيرة في مدينة حلب حيث استهدفت عبر المسيرات والقذائف مواقع مدنية وحكومية وعمليات القنص ضد المدنيين، كانت دافعا رئيسياً لتحرك الدولة السورية للسيطرة على الحيين، كما ساهم هذا التعنت في تحويل الضغوط السياسية الأمريكية إلى “ضوء أخضر”، سمح بترجمة هذه الضغوط على شكل عمل عسكري محدود ومنظم استهدف تصفية الجيوب المعزولة.

تاريخياً، كانت قسد تستخدم أحياء الشيخ مقصود والأشرفية “ورقة ضغط ومقايضة” في مفاوضاتها مع دمشق، ملوحةً بقدرتها على زعزعة استقرار حلب. وبسقوط هذه الجيوب، فقدت قسد أحد أهم أذرعها في الشمال السوري، مما يضع قيادتها في “عين العاصفة”، حيث لم يعد الانسحاب هنا خياراً تكتيكياً، بل كان رضوخاً قسرياً لخرائط جديدة رُسمت في غرف المفاوضات الإقليمية.

مشروع “الشرق الأوسط الجديد” القائم على الازدهار لا المليشيات

يندرج هذا التحول ضمن رؤية ترامب الجديدة للشرق الأوسط. حيث يقوم هذا المشروع على مبدأ “السلام عبر القوة والازدهار”، وهو نموذج لا يترك مساحة للمليشيات أو التنظيمات التي تستنزف الموارد، وتعزز النزعات الانفصالية، وتثير القلق الأمني المستمر للدول المجاورة. بالنسبة لسياسة واشنطن الجديدة، فإن وجود قوة عسكرية موازية للدولة السورية في الشمال يمثل فتيل انفجار دائم يمنع تدفق الاستثمارات ويعطل مشاريع إعادة الإعمار والربط الإقليمي.

كما أن الرؤية الاستراتيجية القادمة تتطلب “حدوداً مستقرة”، وجيشاً نظامياً موحداً، وحكومة تمتلك حصرية السلاح. وهو ما يجعل نموذج “قسد” بتركيبته الأيديولوجية الحالية عبئاً استراتيجياً يعيق مشروع السلام الإقليمي والازدهار الاقتصادي المنشود. فالمشروع الجديد لا يبحث عن “شركاء ميدانيين” للحرب، بل يبحث عن “شركاء سياسيين” للاستقرار.

مأزق الجغرافيا وعزلة “الإدارة الذاتية”

بخسارة الشيخ مقصود، تتقلص خيارات “قسد” لتنحصر في مناطق شرق الفرات، لكن حتى تلك المناطق لم تعد محصنة كما كانت. فالجيوب التي كانت تمثل “عمقاً متقدماً” خارج مناطق السيطرة الأساسية كانت تمنح قسد قدرة على المناورة المتعددة الاتجاهات. اليوم، ومع انكماش السيطرة الجغرافية وازدياد وتيرة التنسيق بين أنقرة ودمشق (بمباركة أمريكية ضمنية)، تجد قسد نفسها محاصرة بين مطرقة الضغط العسكري التركي وسندان الرغبة الدولية في إعادة فرض سيادة الدولة السورية على كامل ترابها.

هذه العزلة الجغرافية تتزامن مع عزلة سياسية دولية؛ حيث بدأت المساعدات العسكرية الأمريكية تتخذ طابعاً تقنياً دفاعياً محدوداً، بعيداً عن الطموحات السياسية في بناء كيان مستقل.

الخلاصة:

يبعث انسحاب “قسد” من أحياء حلب برسالة استراتيجية واضحة تتجاوز حدود الجغرافيا السورية: إن عصر “الاستثناءات السياسية” الذي وفّرته الحرب على الإرهاب قد شارف على الانتهاء. وأن الرهان على بقاء الدعم الأمريكي غير المشروط للأدوات غير الرسمية، في ظل إدارة تؤمن بسيادة الدول المركزية والصفقات الكبرى التي تنهي “الحروب الأبدية”، هو رهان خاسر وتجاوز صريح للواقع الجيوسياسي المتشكل.

لقد أثبتت هذه التغيرات أن الشرعية الدولية والتحالفات الإقليمية المستقرة هي الضمانة الوحيدة للبقاء في “الشرق الأوسط الجديد”. وعلى القوى التي اعتادت العيش في الفراغات السياسية واللعب على المتناقضات أن تدرك أن تلك الفراغات بدأت تمتلئ بتفاهمات بين الدول، وأن خيار الاندماج في المشاريع الوطنية السورية – بعيداً عن الأوهام الانفصالية – لم يعد مجرد “مناورة تفاوضية”، بل أصبح “ضرورة وجودية” للنجاة قبل أن تجرفها رياح التغيير القادمة.

أحدث الصوتيات

مساحة مفتوحة للأقلام الشابة والعقول المبدعة، من مختلف الاهتمامات والانتماءات والبلدان.