تبدو مفاوضات دمشق مع قسد من جهة، ومع إسرائيل من جهةٍ ثانية، مسارين منفصلين: أحدهما “داخلي” لتسوية نزاع سيادي على الأرض والثروة والسلاح، والآخر “خارجي” لتثبيت حدودٍ وأمنٍ ومنعِ احتكاك، لكن عند إمعان النظر نجد أنّ جوهرهما واحد، فالدولة السورية الجديدة تفاوض لتثبيت حقّها في احتكار القوة، واستعادة وحدة الجغرافيا، وإدارة الوقت سلاحاً سياسياً حتى لو بدت مرنة، أو قدّمت تنازلاتٍ شكلية قابلة للتسويق.
1) القاسم المشترك: تفاوضٌ على “قواعد اللعبة” لا على التفاصيل
كلا المسارين لا يدور حول بندٍ هنا أو نقطةٍ هناك، بل حول سؤالٍ واحد: من يملك حقّ القرار الأمني النهائي داخل سوريا؟
في ملفّ قسد، تظهر معركة “الاندماج” بوضوح، إذ تريد دمشق دمجاً تحت قيادة وزارة الدفاع، بينما تتعثر المفاوضات على سؤال: هل تندمج قسد ككتلةٍ واحدة أم تُفكَّك إلى أفرادٍ ووحدات ضمن الجيش؟ وهذا تحديداً أحد أسباب التأخير.
وفي ملفّ إسرائيل، يتضمَّن الحديث عن “اتفاقٍ أمني”، بحسب ما نُشر، نزع سلاح جنوب سوريا مقابل انسحاب إسرائيلي من مناطق سيطرت عليها بعد سقوط نظام الأسد، أي أنّ الأمن هو المدخل، لا التطبيع المباشر.
أيّ أنّ الطرفان يفاوضان دمشق حول مشاركة الحكومة السورية في إدارة الملف الأمني السوري؛ مرّة عبر دمج قوة محلية، ومرّة عبر تحييد الجنوب وترتيبات حدود.
هنا يظهر منطق الربح الزمني لدمشق: فأيّ تفاهم، ولو كان مرحلياً، يُنتج هدوءاً نسبياً، يُخفّف الاستنزاف، ويمنح الدولة الناشئة فرصة إعادة بناء أدواتها، أمناً واقتصاداً ومؤسسات.
2) الاختلافات: خصمٌ داخلي “قابل للاحتواء” وخصمٌ خارجي “قابل للتقييد”
أ) مع قسد: تفاوض على السيادة داخل البيت، فقسد ليست دولة، وهي محكومة بشبكةِ داعمين ومخاوف (تركيا، واشنطن، ملف السجون، النفط…)، ولذلك فإنّ “المعادلة” في تفاوضها ليست ندّية بحتة. التقارير تشير إلى أن الاتفاق الذي وُقّع في آذار/ مارس كان يتضمن نقل السيطرة على المعابر والحقول النفطية والمطارات وسجون معتقلي داعش إلى الحكومة المركزية، لكنّ التنفيذ تعثر والخلافات بقيت قائمة.
وحتى اجتماع دمشق الأخير (4 كانون الثاني/ يناير 2026) انتهى عملياً دون إحراز أيّ تقدم، مع اتفاق على جولاتٍ لاحقة، وهذا بحدّ ذاته دليل أنّ الزمن أصبح جزءاً من اللعبة لا مجرّد خلفية لها.
رهان دمشق هنا واضح: أي “امتيازات مرحلية” لقسد (صيغة دمج مرنة، حضور إداري، ترتيبات على الثروة) لا تُلغي حقيقة أنّ الدولة كلما استعادت جزءاً من نفوذها باتت أقدر على تفكيك مراكز القوة المنافسة.
أمّا قسد، فحتى لو احتفظت بفرقٍ عسكرية أو استقلالية عملياتية في البداية، لن تحوز ضمانة تاريخية، أنّ هذه الاستقلالية مهما اتّسعت، لن تستمر إذا تغيّر ميزان القوة الداخلي/ الإقليمي.
ومع الوقت، يصبح “الاندماج” عملية استنزاف هادئ لمشروع الانفصال من الداخل: الرواتب، السلاح، الشرعية، حركة التجارة، التعليم، الإدارة.. فهذه كلها قنوات تتغذّى من المركز عندما يستقر.
ب) مع إسرائيل: تفاوض على “حدود التدخل” لا على هوية الدولة.
إذ تتخذ الوساطة الأمريكية مكانة مركزية في هذا الملف، والمكان (باريس) والصفة (جولات متكررة) يكشفان أنّه تفاوض “مؤطر” دولياً، هناك حديث عن الجولة الخامسة، بوساطة مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا توم باراك، والهدف المعلن كما نُقل: ترتيب أمني نزع سلاح الجنوب مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية أو تقليص وجودها.
رهان دمشق هنا مختلف لكنه يصب في ذات السياق؛ فإذا أُنجز اتفاق أمني يخفّف الاحتكاك ويُقيّد الذريعة الإسرائيلية للتدخل، فهذا يمنح الدولة فرصة “إعادة البناء دون قصفٍ متكرّر وإرباك وتخريب متواصل”. لكن إسرائيل تدرك الوجه الآخر للاتفاق: فاستقرار الدولة السورية يؤدي إلى استعادة قدرتها العسكرية والسياسية تدريجياً، لذلك فهي تفاوض لتأمين حدودها، لكنّها تخشى نتيجة نجاح الدولة على المدى الأبعد (وهذا تناقضٌ بنيوي في حساباتها).
3) “دمشق الرابحة” كفكرة جوهرية: كيف يعمل عامل الزمن لصالحها؟
لا تربح دمشق لأنّ خصومها سيُهزمون في معركةٍ فاصلة، بل لأنّها تُحوّل التفاوض إلى مسار “تراكم سيادي”؛ فكلّ تهدئة تُنتج قدرة أعلى على فرض شروط الدولة لاحقاً، ويقوم هذا الربح الزمني على ثلاث آليات:
– تقليل جبهات الاستنزاف: تفاهم جنوبي يقلّل النزف الأمني، وتفاهم مع قسد يقلّل احتمالات نشوب حرب شرق/ شمال شرق؛ والنتيجة مساحة أكبر لإعادة بناء الجيش والاقتصاد.
– نقل الصراع من الميدان إلى المؤسسة: دمج قسد حتى لو كان تدريجياً تحويل السلاح إلى “ملفّ إداري/ قانوني”، وهذا ما تجيده الدول أكثر من الفصائل.
– تحويل الخصوم إلى أصحاب مصلحة في الاستقرار: إذ تحتاج قسد إدارةً واقتصاداً ورواتب وحدوداً، وإسرائيل تريد حدوداً هادئة، وكلّما طال الزمن داخل ترتيبات “مستقرة نسبياً”، يصبح نقضها مكلفاً على الطرفين، بينما تستفيد دمشق من تراكم الشرعية والسيطرة.
ومع ذلك فهذا السيناريو ليس “مضموناً”، فتعثُّر جولات قسد يظهر أنّ الطريق مليء بالألغام، وأنّ أيّ انفلات أمني اجتماعي (كما يُستشف من أحداث الساحل والاحتجاجات) قد يُعيد خلط الأوراق داخلياً، وهذا ما يفسِّر إصرار دمشق على “إدارة الوقت” بدل خوض معارك مفتوحة.
المفاوضات الجارية، سواء كانت داخلية مع قسد أو خارجية مع إسرائيل، ليست إيماناً بالمرونة، بل تدشينٌ لقواعد اشتباك جديدة، تريد فيها الدولة تثبيت وحدتها بأقلّ كلفة، فيما يريد خصومها تحقيق مكاسب تمنع خسارتهم الكاملة، فإذا نجحت دمشق في تحويل أيّ اتفاق مؤقت إلى “سلمٍ لبناء الدولة”، سيبدو ما سُمّي تنازلاتٍ اليوم، مجرّد أثمانٍ انتقالية بعد سنوات، أمّا إذا فشلت في تثبيت الأمن وإنعاش الاقتصاد، فسيصبح التفاوض نفسه استراحةً قصيرة قبل جولة قتال جديدة.
