مشاركات سوريا

وطنٌ يخدمنا… أم نحن من نخدمه؟ حين تصبح المواطنة شراكة لا شعارًا

أكتوبر 10, 2026

وطنٌ يخدمنا… أم نحن من نخدمه؟ حين تصبح المواطنة شراكة لا شعارًا

الكاتبة: أسماء البري


في كل مرة نتحدث فيها عن سوريا، نستحضر صورة الأرض والبيت والذاكرة والوجوه التي تركناها خلفنا، لكننا نادرًا ما نتوقف عند السؤال الأكثر إلحاحًا:


ماذا يعني أن نكون مواطنين في وطن نحبه ويحبنا؟

هل الوطن هو الذي يجب أن يخدمنا، فيؤمّن لنا الأمان والعمل والتعليم والصحة والعدالة والكرامة؟ أم نحن الذين يجب أن نخدمه، فنحافظ على مؤسساته، ونبني اقتصاده، ونحترم قوانينه، ونشارك في إعادة إعمار ما تهدّم؟

ربما تكمن الإجابة في مكان آخر.


فالوطن ليس معادلة طرفها واحد، بل علاقة متبادلة بين حقوق يحصل عليها المواطن وواجبات يتحملها، وبين دولة مسؤولة عن مواطنيها ومواطنين مسؤولين عن مستقبل دولتهم.


تقف سوريا اليوم أمام واحدة من أكثر مراحلها حساسية. فقد تركت سنوات طويلة آثارًا عميقة في الاقتصاد والبنية التحتية والخدمات وحياة الناس. لكن المشهد لا يخلو من محاولات للتعافي وإعادة بناء المؤسسات والخدمات، وهي مسؤولية تتطلب وقتًا وتعاونًا واسعًا بين الدولة والمجتمع.


وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية.

فليس من المنطقي أن نطالب بوطن قوي، ثم نضعف مؤسساته بتجاوز القانون. ولا أن نطالب بمدن نظيفة، ثم نتعامل مع الشارع وكأنه ملك لا صاحب له. ولا أن نطالب بفرص عمل، بينما نقتل الإنتاج بالفساد أو الواسطة أو غياب المسؤولية.


كما لا يمكن أن نتحدث عن إعادة بناء سوريا من دون أن نعيد بناء الإنسان وثقته بأن القانون يحميه، وأن العمل يمكن أن يغيّر حياته.


لكن، في المقابل، لا يجوز أن تتحول عبارة «خدمة الوطن» إلى ذريعة لتحميل المواطن كل الأعباء. فالمواطن ليس مسؤولًا عن جميع مشكلات الخدمات أو الاقتصاد أو المؤسسات.


وللدولة أيضًا واجبات واضحة: حماية الحقوق، وتوفير الخدمات الأساسية، وتحقيق العدالة، ومكافحة الفساد، وخلق بيئة تسمح للناس بالعمل والاستثمار والعيش بكرامة.


الوطن الذي نريده ليس وطنًا يطلب من أبنائه التضحية إلى ما لا نهاية، ولا وطنًا ينتظر المواطن منه كل شيء من دون أن يقدم شيئًا.


إنه وطن يخدم مواطنيه بقدر ما يخدمه مواطنوه.

ولعل التحدي السوري اليوم لا يكمن فقط في إعادة بناء الحجر، بل في إعادة بناء مفهوم المواطنة نفسه. فعودة السوريين إلى مناطقهم وبلداتهم لا تصبح عودة حقيقية ما لم يجد العائد أمنًا وخدمات وفرصة للعمل وحياة تحفظ كرامته.


وربما آن الأوان لأن نخرج من السؤال التقليدي:

ماذا قدم الوطن لنا؟

ونضع إلى جانبه سؤالًا آخر:

وماذا نستطيع نحن أن نقدم لوطننا؟

ليس المطلوب أن يكون المواطن بطلًا خارقًا، ولا أن يحمل على كتفيه ما يفوق قدرته. يكفي أن يعمل بإخلاص، ويحترم القانون، ويحافظ على الممتلكات العامة، ويرفض الفساد، ويعلّم أبناءه أن الاختلاف ليس عداوة، وأن سوريا ليست ملكًا لجماعة أو منطقة أو فئة، بل وطن لجميع أبنائها.


وفي المقابل، يبقى على الدولة أن تثبت أن المواطنة ليست فقط واجبات تُطلب من الناس، بل حقوق تُصان لهم.

فالوطن لا يُبنى بالسؤال عمّن يخدم مَن، بل بالشراكة بين مواطن يعرف حقوقه وواجباته، ودولة تعرف مسؤولياتها تجاهه.

وحين تصبح هذه الشراكة واقعًا، لن نضطر إلى الاختيار بين وطن يخدمنا أو وطن نخدمه.

سنكون ببساطة.. نخدم وطنًا يخدمنا.

شارك

مقالات ذات صلة