مشاركات سوريا

الدراجات النارية في دمشق.. بين لقمة العيش والحاجة إلى التنظيم

أكتوبر 9, 2026

الدراجات النارية في دمشق.. بين لقمة العيش والحاجة إلى التنظيم

الكاتب: عبدالله التركماني


عاد ملف الدراجات النارية إلى الواجهة في دمشق، مع الإجراءات المتخذة للحد من المخالفات المرتبطة بها، وما رافقها من نقاش واسع حول تأثير هذه الإجراءات على مستخدمي الدراجات، ولا سيما من يعتمدون عليها مصدرًا أساسيًا للدخل.

ولا تبدو القضية بسيطة أو قابلة للاختزال في موقف مؤيد أو معارض؛ فالدراجة النارية تحمل وجهين متناقضين: فهي من جهة وسيلة نقل سريعة وأقل كلفة، ومصدر رزق لعدد كبير من العاملين، ومن جهة أخرى ارتبط استخدام بعضها بمخالفات وسلوكيات تزعج السكان وتشكل خطرًا على السلامة العامة.


وسيلة نقل ومصدر رزق

بالنسبة إلى شريحة واسعة من المواطنين، لا تمثل الدراجة النارية وسيلة للترفيه أو التنقل فحسب، بل ترتبط مباشرة بالعمل وتأمين الدخل وقوت اليوم.


فالعامل في مجال التوصيل، أو من يستخدم دراجته للوصول إلى مكان عمله، يجد فيها وسيلة أسرع وأقل تكلفة من كثير من وسائل النقل الأخرى. وفي ظل الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف المواصلات وأزمة الوقود، تصبح الدراجة خيارًا عمليًا لا يمكن تجاهل أهميته بالنسبة إلى كثيرين.


ومن هنا، فإن أي إجراء يحد من استخدام الدراجات قد ينعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على أشخاص يعتمدون عليها في أعمالهم اليومية ومصادر دخلهم.



لكن المشكلة موجودة أيضًا

في المقابل، لا يمكن تجاهل المشكلات المرتبطة بالاستخدام غير المنظم للدراجات.

فالقيادة المتهورة، والاستعراض و«التشبيب»، وإحداث الضجيج، ومخالفة قواعد السير، إضافة إلى استخدام بعض الدراجات في أعمال السرقة والنشل، كلها سلوكيات تستدعي المعالجة والحد منها.

ومن حق سكان دمشق أن يشعروا بالأمان في شوارعهم وأحيائهم، كما أن من حق مستخدمي الطريق جميعًا أن تكون حركة المرور أكثر انضباطًا وأمانًا.


لذلك، فإن المطالبة بمعالجة هذه الظواهر ليست موجهة بالضرورة ضد الدراجات أو أصحابها، وإنما ضد الاستخدام المخالف لها.

المشكلة في الدراجة أم في طريقة استخدامها؟


هنا تكمن النقطة الأهم في النقاش.

فالدراجة التي يستخدمها عامل لتوصيل الطلبات وتأمين دخل أسرته ليست كالدراجة التي تستخدم في عملية نشل، أو يقودها صاحبها بطريقة تعرض الآخرين للخطر.


ولهذا، فإن وضع جميع مستخدمي الدراجات في خانة واحدة قد لا يكون الحل الأكثر فاعلية.

والأقرب إلى معالجة المشكلة هو الوصول إلى صيغة تميز بين الاستخدام النظامي والاستخدام المخالف، وتمنح العامل الملتزم إمكانية ممارسة عمله ضمن ضوابط واضحة وصارمة، وفي الوقت نفسه تجعل المخالف أمام مسؤولية وعقوبة محددتين.


التنظيم بدلًا من المنع الشامل

يمكن أن يبدأ ذلك من تنظيم المهنة والاستخدام: تسجيل الدراجات، والتأكد من الأوراق القانونية، ووضوح اللوحات، وتحديد شروط استخدام الدراجة في أعمال التوصيل، والتأكد من أهلية السائق، إلى جانب تطبيق قواعد السلامة والمرور.

وفي المقابل، يجب أن تكون هناك إجراءات واضحة بحق المخالفين، بحيث لا يتحول الترخيص أو السماح باستخدام الدراجة إلى غطاء لسلوكيات تعرض الناس للخطر.


ومن يستخدم دراجته في السرقة، أو يقود بصورة خطرة، أو يتسبب بإزعاج متكرر، يجب أن يخضع للمساءلة وفق المخالفة التي ارتكبها، بدلًا من أن تصبح مخالفته سببًا في التعامل مع جميع مستخدمي الدراجات بالطريقة نفسها.

وهذه معادلة تحتاج إلى توازن.


فالتحدي الحقيقي اليوم ليس في اختيار طرف على حساب الآخر؛ سلامة المجتمع لا تتعارض مع حق الإنسان في العمل في ظل ظروف اقتصادية خانقة، كما أن الحفاظ على مصدر الرزق لا يعني ترك الشوارع بلا ضوابط.


المطلوب هو الوصول إلى معادلة تحقق الأمرين معًا: شارع أكثر أمنًا وانضباطًا، ومهنة أكثر تنظيمًا ووضوحًا.

فالدراجة النارية، بحد ذاتها، ليست المشكلة. المشكلة تبدأ عندما تغيب القواعد أو لا تطبق، وعندما يتحول الاستخدام المشروع إلى مخالفة أو خطر على الآخرين.


لذلك، قد يكون تنظيم قطاع الدراجات، ووضع ضوابط واضحة لمستخدميها، وتشديد العقوبات على المخالفين فعليًا، طريقًا أكثر توازنًا من التعامل مع الظاهرة بمنطق المنع وحده.


في النهاية، لا يحتاج الأمر إلى الاختيار بين لقمة العيش وأمن الشارع؛ بل إلى تنظيم يضمن حق الأول ويحمي الثاني.

شارك

مقالات ذات صلة