مشاركات سوريا

من البندقية إلى المؤسسة.. رحلة “أبو حمزة شرقية”

أكتوبر 5, 2026

من البندقية إلى المؤسسة.. رحلة “أبو حمزة شرقية”

الكاتب علي البرغوثي


شهد المشرق السوري تحولات ميدانية وسياسية عميقة في بنية التشكيلات العسكرية المحلية، إذ انتقل عدد من القادة الميدانيين من العمل العسكري المباشر إلى إدارة الحوكمة المحلية والتنظيم الإداري وتأمين الكتل السكانية النازحة.


وفي هذا السياق، برز اسم حسين عبد السلام، المعروف بلقبه الميداني “أبو حمزة شرقية”، كأحد الفاعلين في إعادة هيكلة العمل العسكري والتنظيمي في فصائل المعارضة، خاصة ضمن التشكيلات التي ضمت أبناء المحافظات الشرقية (دير الزور والحسكة والرقة) والذين أُجبروا على النزوح القسري باتجاه الشمال السوري عقب تغول تنظيم “داعش” وتعقّد العمليات العسكرية في حوض الفرات.

 

النشأة والتأسيس العسكري ومواجهة التمدد التكفيري في دير الزور

وُلد حسين عبد السلام في المنطقة الشرقية من سوريا، ونشأ في بيئة عشائرية تتميز بالروابط الاجتماعية القوية والوعي بالمحيط الإقليمي والديمغرافي لأحواض الفرات. ومع انطلاق الاحتجاجات الشعبية عام 2011، شارك في التنظيم الميداني للحراك المدني في محافظته، قبل أن ينتقل إلى العمل العسكري مع اشتداد الخيار الأمني وعسكرة النزاع.


أسس وشارك في قيادة مجموعات عسكرية محلية هدفت إلى حماية المدنيين، والتصدي لقوات النظام في دير الزور وريفها، واستعادة السيطرة على الأحياء والمنشآت الحيوية والمرافق النفطية، وتأمين الخدمات الأساسية للسكان.

 

ومع تمدد تنظيم “داعش” واستيلائه على معظم أراضي الشرق السوري بين عامي 2013 و2014، خاض عبد السلام برفقة أبناء المنطقة مواجهات شرسة ضد التنظيم لمساندة الفصائل المحلية والمجالس المدنية دفاعاً عن القرى والبلدات.


أدت هذه المواجهات النارية المتصاعدة، إلى جانب التفوق العسكري للتنظيم آنذاك وتدفق المقاتلين الأجانب، إلى خروج قسري للمئات من المقاتلين والمدنيين ونزوحهم باتجاه الشمال السوري (إدلب وحلب)، حيث بدأ عبد السلام مرحلة جديدة أُعيد فيها تجميع القوى وتشكيل أطر تنظيمية وعسكرية أكثر انضباطاً وتماسكاً لمواصلة النضال الميداني والسياسي.

 

“إن التهجير القسري الذي تعرض له أبناء الشرقية لم يثننا عن التزامنا بقضية الشعب السوري؛ فالهدف هو تنظيم الكوادر والمحافظة على النسيج الاجتماعي وإدارة شؤون الأهالي حتى تحقيق التغيير المنشود واستعادة أرضنا ودحر الاستبداد والتطرف.”

من التوجيهات التنظيمية لحسين عبد السلام (أبو حمزة شرقية) للكوادر الميدانية (2016).

 

الدور التنظيمي وإدارة التشكيلات في الشمال السوري


في الشمال السوري، أسهم أبو حمزة شرقية بشكل محوري في تشكيل وإدارة المكونات العسكرية الخاصة بأبناء المنطقة الشرقية، والتي انضمت لاحقاً إلى تحالفات وفصائل كبرى كـ “تجمع أحرار الشرقية” و”الجيش الوطني السوري”.


ولم يقتصر دوره على الجانب الميداني والتكتيكي في خطوط الجبهات والرباط المباشر، بل ركز على هيكلة القيادة، وضبط السلوكيات الميدانية، وتطوير المكاتب الإدارية والعسكرية لتنظيم شؤون آلاف المقاتلين وعائلاتهم الموزعين في المخيمات والبلدات الشمالية، مع مراعاة الحفاظ على الانضباط العسكري والدعم اللوجستي وتأمين المساعدات للمهجرين.


 

كما ركز على التنسيق بين القوة العسكرية والمجالس المحلية واللجان الأهلية، وعمل على حل النزاعات العشائرية والأهلية، وتأمين نقاط التماس، والإشراف على المكاتب الإغاثية والخدمية التي تقدم الدعم للعائلات النازحة من دير الزور والرقة والحسكة.


وأضحى مرجعًا ميدانيًا وإداريًا في إدارة المحاور والتفاوض مع بقية الفصائل، بهدف الحفاظ على استقرار المناطق، وحماية السلم الأهلي، ومنع الانزلاق إلى الاقتتال الداخلي أو الفوضى الأمنية.


الانتقال نحو الحوكمة والمواجهة المزدوجة على خطوط التماس


خاض حسين عبد السلام مسارًا حافلًا بالمخاطر في ريفي حلب وإدلب، وتركزت جهوده على جبهتين رئيسيتين: مواجهة قوات النظام وحلفائه على خطوط التماس والتصدي لمحاولات التسلل والقصف، ومواجهة الخلايا الأمنية التابعة لتنظيم “داعش” والتنظيمات العابرة للحدود التي حاولت اختراق الشمال السوري وتنفيذ عمليات اغتيال وتفجيرات تستهدف قيادات المجتمع المحلي ونشاطه المدني.

 

وأسهمت تجربته في الحفاظ على الهوية التنظيمية والاجتماعية لأبناء الفرات والجزيرة السورية في الشتات الداخلي، وبناء أطر عسكرية وإدارية أسهمت في إدارة المشهد الشمالي وتأمين الكتل السكانية الممتدة بين إدلب وريف حلب.


وتختصر مسيرته تحولًا في تجربة الفاعلين الميدانيين في المشهد السوري؛ من المواجهات العسكرية المباشرة ضد الاستبداد والتطرف في حوض الفرات، إلى التنظيم الإداري وتأطير الحوكمة في الشمال السوري.

ولم يكن انتقاله إلى العمل المؤسساتي مجرد خيار تكتيكي، بل استجابة لمتطلبات حماية النسيج الاجتماعي لأبناء المنطقة الشرقية في الشتات الداخلي. وبذلك، يظل اسمه شاهدًا على مرحلة تقاطعت فيها الهوية العشائرية بالعمل المؤسساتي، وأسهمت في إعادة هيكلة التشكيلات وإدارة السلم الأهلي وسط التحولات الميدانية.

شارك

مقالات ذات صلة