مذكرات الأميركيين.. أسرار وشهادات مهمة
مذكرات الأميركيين.. أسرار وشهادات مهمة
فرانكس يُطيّر النوم من عينَي هيكل
يروي الكاتب خالد عبد الهادي في كتابه «علامات على طريق طويل: هيكل.. لمحات إنسانية»، أنَّ هيكل، المعروف بانضباطه سهر ذات ليلةٍ وهو يقرأ مذكرات قائد القيادة المركزية الأميركية تومي فرانكس التي صدرت بعنوان «جندي أميركي»، ويصف حاله قائلًا: «في جفونه أرق، وفي عروقه قلق». وقد طيَّرت النوم من عينه، وكانت مدعاة لسهرٍ متعب وشاق، لم يستفزه ما كتبه فرانكس عن تاريخه الشخصي في القسم الأول من مذكراته، وتحديدًا عن نشأته العسكرية أو دوره في غزو أفغانستان، بل استفزه القسم الخاص بغزو العراق والإطاحة بحكم صدام حسين حين طلب منه دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاستعداد لغزو العراق. وترصُد سيرتُه ما قام به القادة العرب وما أخبروا به فرانكس، وهو ما يصفه هيكل بأنَّه «شيء أكثر من شائن وأكبر من مؤلم».تصفَّحت هذه المذكرات وفيها حديث الرئيس المصري محمد حسني مبارك وهو يجزم لتومي فرانكس بوجود أسلحة دمار شامل في العراق، وأرسل فرانكس هذه المعلومة إلى دونالد رامسفيلد، كما كرر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الجزم نفسه بناءً على معلومات مخابراته، وقال له الملك عندما بدأ الهجوم على العراق: «كان الله مع قواتك أيُّها الجنرال، إنَّكم تقاتلون في معركةٍ عادلة».وعلى ذِكْر تومي فرانكس ومبارك، يذكر الرئيس جورج بوش في مذكراته بعنوان «قرارات مصيرية» أنَّ «الرئيس المصري حسني مبارك أخبر تومي فرانكس بأنَّ العراق يملك أسلحة جرثومية، ومن المؤكد أنَّه سيستعملها ضدَّ قواتنا. ولقد رفض التصريح بهذا الاتهام في العلن خوفًا من استثارة الشارع العربي، لكن هذه المعلومات التي تَرِدُني مِن رئيس شرق أوسطي يعرف ما يعرفه عن صدام، تركَت تأثيرها في تفكيري».هذا مثال على مصادر هيكل الصحفية، أعني عودته إلى مذكرات أهل السياسة وكتب التراجم عن الشخصيات المهمة، التي كان يتابعها منذ زمنٍ ويستخرج منها ما يُعينه في كتبه قبل أن تُترجَم تلك الكتب الأجنبية إلى العربية بزمن طويل.عالم من الأسرار
من العجيب في عالم مذكرات الساسة الأميركيين وفرة التفاصيل عن البلاد العربية والشرق الأوسط. تؤرخ تلك السير لأدوارهم السياسية في المنطقة واحتكاكهم بالساسة العرب، فهي تكشف عن رؤى واجتماعات، وكذلك شهادات عن مناقشاتٍ داخلية في الإدارة الأميركية بشأن العالم العربي والإسلامي. وعندما يحين موعد خروج المسؤول الأميركي من منصبه، يصوغ إرثه بالكتابة عن نفسه وكشف محاضر الاجتماعات والسجالات. فهيلاري كلينتون كتبت سِيَر حياتها ثلاث مرات، مرة عن سنواتها سيدة أولى مع زوجها الرئيس بيل كلينتون، وأخرى في كتابها «خيارات صعبة» عن سنوات وزارة الخارجية، وثالثة أخيرة عن معركتها الرئاسية مع دونالد ترامب، وفي السيَر المتعددة تغيَّر رأيها في مبارك من المدح إلى النقد والقدح بعد ثورة 25 يناير.كنت أجادل صديقي عن أهمية هذه الشهادات وما تحويه من معلوماتٍ زاخرة، فهو يرى أنَّ معظمها كُتُب دعائية لتمجيد أدوار الموظفين السابقين، أمَّا أنا فأرى أنَّ هذه المذكرات على تنوُّع أصحابها توفر تفاصيل ومادة ممتازة لسماع أصوات القادة العرب وما يبوحون به للأجانب من أفكارهم وتصوراتهم السياسية بعيدًا عن تصريحات الصحافة الرسمية. وهذه المذكرات تتنوع بين وزراء الخارجية والدفاع والمخابرات وشخصيات في مناصب حساسة، وترى فيها قائمة طويلة ومن أصحابها: مايك بومبيو، وهيلاري كلينتون، وجون كيري، ومادلين أولبرايت، وجيمس بيكر، وروبرت غيتس، وديفيد بتريوس، وجورج بوش، وباراك أوباما، وغيرهم.حسني مبارك وحكايات من أميركا
وفي مذكرات كوندوليزا رايس بعنوان «أسمى مراتب الشرف» حديث عن مبارك كذلك، إذ تقول: «أذكر أن الرئيس المصري حسني مبارك قال لستيف هادلي مستشار بوش للأمن القومي ذات يوم: أنا أعرف أنكم تريدون نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، ولكن لماذا بدأتم بالعراق؟ فهم الأسوأ».وفي مذكرات ديك تشيني «في زمني»، وكان يومها وزيرًا للدفاع، يحكي تشيني عن دوره في حرب الخليج الثانية واللقاء مع الملك فهد وزيارته لمبارك، إذ طلب من مبارك السماح بتحليق الطائرات العسكرية في المجال الجوي المصري، ووافق مبارك على ذلك، ثمَّ طلب منه الإذن بعبور حاملة الطائرات أيزنهاور العاملة بالطاقة النووية، ولم تكن مصر ترتاح عادةً إلى عبور مثل هذه السفن في القناة، لكن مبارك وافق كذلك.وللصف الثاني من المسؤولين في الإدارات الأميركية شهادات مهمة كذلك، فقد عثرتُ على سيرة وكيل السياسات في وزارة الدفاع الأميركية إبان الحرب على الإرهاب بعد 11 سبتمبر ومع غزو أفغانستان والعراق، وهو دوغلاس فايث، بعنوان «الحرب والقرار.. من داخل البنتاغون»، وفيها شهادات عن الشخصيات التي التقاها، فهو يذكر لقاء بين وزير الدفاع رامسفيلد والسلطان قابوس في مسقط، وتفاصيل هذا الاجتماع مبسوطة في الكتاب، وقد جرى بعد عام 2001 وقبل غزو العراق.وبملابس السلطان الأنيقة، استقبل الوفد الأميركي، في عصر يوم شديد الحر في خيمة مفتوحة من جميع جوانبها في قلب الصحراء، والوفد الأميركي، يكادوا يذوبون بسبب الحر في بدلاتهم الصوفية، وقدَّم لهم الخدم شرابًا ساخنًا ينبعث منه البخار، لكن السلطان طمأنهم بأنه سيتعاون معهم، جاعلًا قواعد عمان الجوية في متناول يدهم، والبقية في المذكرات.من أحاديث الرؤساء إلى اغتيال بن لادن
أعود دائمًا إلى هذه المذكرات السياسية لأعرف ما جرى خلف الأبواب وما يمسّ المنطقة، فأنت تسترق السمع إلى مكالمات بين الرئيس باراك أوباما والشيخ محمد بن زايد عن مبارك والثورات العربية، بفضل ما تكشفه مذكرات أوباما، وتقرأ سيرة هيلاري كلينتون جدلها مع وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد بشأن دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين، وحينما تعود إلى قراءة مذكرات وزراء الدفاع تكتشف اجتماعات ونقاشات كما في كتاب «الواجب» لروبرت غيتس، وكان وزيرًا للدفاع ومديرًا سابقًا للمخابرات المركزية.وبالمناسبة، عندما تقرأ المذكرات ستعرف أنَّك إذا كنت وزيرًا للدفاع مثل غيتس في بلدٍ مثل الولايات المتحدة، وعملت في هذا المنصب لمدة أربع سنوات ونصف، فقد تسافر إلى 109 دُوَل، وتُمضي في الطائرة خمسة وثلاثين أسبوعَ عمل، وطائرتك بلا نوافذ لحمايتها من التشويش الإلكتروني. وقبل أن يتولى روبرت غيتس وزارة الدفاع، طُلب منه كشف حساباته المالية، وخوفًا من الخطأ الذي قد يحرمه مِن تولّي المنصب، طلب من مكتب محاماة تولّي تقديم بياناته المالية، وبلغت تكلفة المكتب 40 ألف دولار لتقديم هذا التقرير.ومن هذه المذكرات تقرأ تفاصيل محادثة وزير الدفاع الأميركي غيتس مع الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، التي عدَّها غيتس أحد أشدّ الاجتماعات رسوخًا في ذاكرته خلال ولايته في وزارة الدفاع الأميركية، إذ كانت بالنسبة إليه المواجهة الوحيدة مع قائد أجنبي فقد فيها أعصابه، كما يذكُر، وكانت المقابلة حول تدخُّل الولايات المتحدة للحرب مع إيران، وهذا ما أدى إلى النقاش الحادّ بينهما.وفي مذكرات غيتس رواية مثيرة عن مداهمة بن لادن، يذكر فيها قلقه من رد فعل باكستان على العملية والمداولات الداخلية في الإدارة الأميركية بشأنها، والأهم في روايته أنَّ أميركا لم تعثر على بن لادن بفضل الجائزة السخية التي بلغت 25 مليون دولار لمن يدلّ عليه، ولا بمساعدة المخابرات الباكستانية قطعًا، وعثروا عليه بأساليب التتبع التقليدي من المخابرات.لقد فكّر الأميركيون في عدة سيناريوهات لقتل بن لادن، منها مداهمة عن طريق قوات العمليات الخاصة، أو استخدام القصف أو هجوم محدود ضيّق النطاق بطائرات دون طيار، أو مهاجمته عبر إلقاء اثنتين وثلاثين قنبلة تزن 2000 رطل، وهو ما يُذكّرني بقنابل الألفَي رطل التي تُلقيها إسرائيل في حرب الإبادة على غزة، لكن غيتس كان يخشى عواقب عملية مداهمة القوات الخاصة، لأنها قد تفشل ويقع أفراد القوات الأميركية في قبضة الجيش الباكستاني، إذ كانت القاعدة العسكرية الباكستانية قريبة من منزل بن لادن.والقلق الآخر لدى غيتس كان تركيزه على أثر العملية في مسار الحرب بأفغانستان، لأنَّ باكستان قد تعاقب الولايات المتحدة، إذ ستقطع نتيجة ذلك خط إمداد القوات الأميركي الحيوي من كاراتشي إلى أفغانستان، الذي ينقل 50 في المئة من الوقود و55 في المئة من شحنات القوات الأميركية، وقد تمنعهم من الطيران في سمائها وتتخذ خطوات أخرى يمكن أن يكون لها أثر سلبي كبير في المجهود الحربي في أفغانستان. هذا أيضًا مثال حيّ على التفاصيل الثرية التي تُقدِّمها سِيَر القادة والنقاشات التي يُكشف عنها بعد الخروج من السلطة.دبلوماسية القبلات وشخير أبي مازن
ومن الطرائف ما يرويه مارتن إنديك المبعوث الأميركي للسلام في الشرق الأوسط، يحكي عن عشاء بين محمود عباس (أبو مازن) ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، تبع ذلك نقاش لمستقبل المفاوضات في الشرق الأوسط، وقد غفا أبي مازن في اللقاء وعلا صوت شخير بعد تناوله عشاءً آسيويًّا! ذكر ذلك في كتابه «سيد اللعبة» عن هنري كيسنجر.تحكي وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت في مذكراتها عن مشكلة القبلات في الدبلوماسية، الفرنسيون فقبلاتهم على الخدَّين كليهما بالطبع، والبلجيكيون والهولنديون يُقبِّلون ثلاث مرات، وفي بوتسوانا أربع مرات، ثم تحكي عن ياسر عرفات قائلة: «لا يمكن وصفه إلا بأنَّه عنيد ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته، كان أحيانًا يُقبِّل خدًّا واحدًا، وأحيانًا الخدَّين معًا، وأحيانًا الخدَّين، والجبين، واليد، بل لقد حاول تقبيل الرئيس كلينتون، الذي كان أطول منه، فانتهى به الأمر إلى وضع رأسه تحت ذقن الرئيس».كل هذه الشواهد والحكايات التي سُقتها لكُم من المذكرات تدفعني إلى التساؤل: لماذا لا نكتب شهاداتنا العربية عن السياسة الدولية وتفاعلنا مع العالم؟ لا سيما مع ثراء ما يكتبه الأجانب بروايتهم الخاصة للأحداث عن المنطقة وتحيزهم الكامن في بطون سرديتهم إلى تلك الأحداث، خصوصًا ما يتعلَّق بالصراع العربي-الإسرائيلي، لأنَّ الكتابة العربية وما يكتبه الشهود العرب قد تسدّ الثغرات المعرفية في رواية الأجانب، وتُعرّفنا كيف يفكر العرب ويتحدثون في الغرف المغلقة مع الأميركيين.