Blog
ألا تلاحظون أنَّه في كلِّ قصةٍ عظيمة من التاريخ، نجد أنَّ الناس لا يتوقفون طويلًا عند تفاصيل الحكاية وبداياتها، بل يتجهون مباشرة إلى المشهد الأخير، يتذكَّرون فقط من رفع راية النصر عند خطِّ النهاية، وينسون الذين شقُّوا الطريق بجهودهم ودماؤهم، ومهَّدوا الأرض لمن بعدهم، ودفعوا الثمن باهظاً قبل أن يصل بطل الحكاية الأخير، وهذا هو حال صلاح الدين والزنكيين.. فعندما نتحدث عن ملحمة ذكرى تحرير بيت القدس سنة 1187، يظهر صلاح الدين الأيوبي في الواجهة، وهذا حقٌّ لا يمكن إنكاره واحترام جهوده واجب على كل مسلم، لكن السؤال الأهم هنا، هل بدأ مشروع التحرير معه، أم أنَّه ورث مشروعًا سياسيًّا وعسكريًّا كان قد قطَعَ شوطًا طويلًا قبل ظهوره على الساحة؟
فقبل صلاح الدين بسنواتٍ طويلة، كان عماد الدين زنكي يعمل على إعادة بناء القوة الإسلامية في مواجهة الإمارات الصليبية، واستطاع أن يستعيد مدينة الرها (اورفا – تركيا)، أولى الإمارات الصليبية الكبرى التي سقطت بيد المسلمين، فكان سقوطها صدمة هزَّت أركان أوروبا، وأسهمت في إطلاق الحملة الصليبية الثانية، مع أنَّ الرها ليست بمنزلة القدس، لكنَّها كانت أول كسر حقيقي للصورة التي جعلت الوجود الصليبي يبدو قدرًا دائمًا لا يمكن تغييره في ديار العرب.
ثمَّ جاء ابنه نور الدين محمود زنكي، فحوَّل الجهد العسكري المتفرِّق والمشتت العام إلى مشروع دولة موحَّد، فلم يكن همَّه خوض المعارك العسكرية وكسبها فقط، بل بناء الجبهة الداخلية لدولة المستقبل، وتوحيد المدن الكبرى العربية، وترسيخ القضاء العادل، والتعليم الجاد، وتطبيق العدالة الاجتماعية بين طبقات المجتمع، فاستطاع محمود السيطرة على دمشق الشام، فوحَّدها مع حلب الشهباء، وأصبح للمسلمين مركزٌ سياسي وعسكري أكثر تماسكًا في مواجهة الصليبيين على الساحل الشامي ، وكما أنشأ البيمارستانات (المستشفيات)، وجعل الدولة أكثر قدرة على تمويل الجيش وإدارة عالية للمجتمع.
ولم يكن الطريق إلى مصر منفصلًا عن هذا المشروع، فقد أرسل نور الدين قائده الكردي أسد الدين شيركوه إلى مصر الفاطمية، وكان صلاح الدين نفسه (جنرال) ضمن هذه الحملات، وبعد وفاة شيركوه في القاهرة، تولَّى صلاح الدين الوزارة في مصر، ثمَّ أنهى بطريقةٍ سلمية الدولة الفاطمية وربط مصر بالمركز السني في بغداد و الشام تحت الولاية الزنكية، وهنا بدأ صلاح الدين يتحوَّل من قائدٍ يعمل داخل المشروع الزنكي إلى قائدٍ يمتلك مشروعه السياسي الخاص، وبعد وفاة نور الدين سنة 1174، دخل صلاح الدين دمشق، وأعاد تشكيل المشهد السياسي في الشام، مؤسسًا الدولة الأيوبية التي ستقود لاحقًا معركة حطين وتحرير القدس .
وهنا يكمن السؤال الجدلي، هل كان صلاح الدين مؤسس مشروع التحرير أم وارثه؟، الحقيقة أنَّه كان الاثنين معًا، فقد ورث أساسًا متيناً بناه الزنكيون، لكنَّه امتلك القدرة السياسية والعسكرية على توسعته واستمراره، وجمع مصر والشام بعد تهديدٍ بانفكاكه، وأضعف خصومه السياسيين، ثمَّ توجيه القوة الإسلامية نحو الهدف الأكبر نحو القدس، فلم يكن تحرير القدس إنجازاً صلاحيا، إنَّما مشروعاً زنكيًّا أيوبيًّا.
فإنصاف الزنكيين لا يعني الانتقاص من جهود صلاح الدين، كما أنَّ الاحتفاء بصلاح الدين لا ينبغي أن يتحوَّل إلى محو لمن سبقه من الزنكيين، فالقادة الذين يظهرون في الصفحة الأخيرة ليسوا أصحاب القصة وحدهم، وإنَّما هم يجنون أحيانًا ثمار صفحات كتبها آخرون قبلهم بصبر ودماء وتضحيات، ومع الأسف أنَّ هذه عادة الناس في قراءة التاريخ يأخذون الصفحة الأخيرة من كلِّ قصة، ثمَّ ينسبون الكتاب كله إلى صاحب الصفحة الأخيرة، لكن التاريخ العادل لا يكتفي بمن وصل إلى النتيجة، بل يسأل أيضًا.. من الذي جعل الوصول إلى تلك النتيجة ممكنًا؟