Blog
أسامة أحمد نزار صالح
في حزيران 2022، أطلَّ الأسد الابن عبر قناة “RT” الروسية متحدثاً بنبرة فيلسوف يشرح قوانين الحركة والتوازن الكوني: “الأحادية القطبية التي قادتها الولايات المتحدة لم تكن خياراً تاريخيًّا بل حالة طارئة، وما نشهده هو بداية تصحيح التاريخ وإعادة التوازن للعالم”.
لم تمضِ إلا شهور حتى أتبعها في أيلول 2023 عبر التلفزيون الصيني، متناسياً أنَّه رئيس فاقد للشرعية لبلدٍ ممزق السيادة، ليصرّح بثقة المنظّر: “الغرب يعيش عقدة التفوق ولم يعد يملك أدوات السيطرة.. بينما الشرق هو المكان الذي يتحرك فيه المستقبل”.
لم تكن مشكلة الأسد الابن في التنظيرات الفلسفية، بل كانت أنَّه لا يقرأ الواقع إلا بعيون الرغبات.
صحيحٌ أنَّ الإقليم، بعد 6 أشهر من اندلاع المواجهات بين أمريكا وإسرائيل من جهةٍ وإيران وأذرعها من جهةٍ أخرى، يبدو عالقاً في استعصاء جيوسياسي؛ “شبه انتصار” أمريكي لا يكفي لفرض استسلام كامل على طهران، ومقابل ذلك يتحدث البعض عن “شبه هزيمة” لواشنطن لأنَّ النظام الإيراني لم يسقط، ونجح في إزاحة عدسات الكاميرات والاهتمام الدولي من المنشآت النووية إلى الملاحة في مضيق هرمز.
لكن القراءة الأكثر واقعية تظهر اتجاهاً أكثر صلابة: إنَّ واشنطن ما زالت تستند إلى زمام المبادرة لإدارة هذه المواجهة، وتحديداً عبر ورقة خنق الاقتصاد الإيراني التي تصعب على الخصوم مواجهتها على المدى الطويل.
ولا يتوقف تهاوي أوهام “العالم متعدد الأقطاب” عند حدود الحصار الإيراني، بل يمتد ليتجلى في المأزق الروسي؛ فقد حدد بوتين موعد بداية الحرب الأوكرانية، لكنَّه يواجه صعوبة بالغة اليوم في تحديد موعد نهايتها. الحرب الأوكرانية باتت حبلى بالمفاجآت، وتحقيق موسكو لحسم عسكري بالضربة القاضية يبدو أمراً بعيد المنال.
فللسنة الخامسة على التوالي، يقاتل الجيش الروسي على الأرض الأوكرانية؛ ورغم استيلائه على أجزاء واسعة من المناطق التي يستهدفها، إلا أنَّه يتكبد أثماناً باهظة دون إرغام كييف على التنازل الكامل أو تجرّع شروطه.
في 24 فبراير 2022، وقع كثيرون في خطأ الاعتقاد بأنَّ بوتين ما كان ليقدم على مغامرة من هذا النوع لو لم يكن متأكداً من نصر سريع حاسم، وساد انطباع بأنَّ القيصر أجرى حساباته بدقة متناهية، وأنَّ الخلل في ميزان القوى لصالح موسكو سيرغم أوكرانيا على الاستسلام. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وقرر الغرب تقييد المارد الروسي.
اليوم، في السنة الخامسة للحرب، يجد بوتين نفسه أمام معركة استنزاف يومية ودموية، بينما ترد أوكرانيا باستهداف محطات الطاقة في العمق الروسي، بعد أن مكنها تطوير سلاح المسيرات من إلحاق جرح بالغ بهيبة القيصر وجيشه. دوامة خطيرة ومستنزفة: يرسل بوتين صواريخه، ثم يطل زيلينسكي بمسيراته ليهز ما يعتقد القيصر أنه انتصار.
وفق التقديرات الاستخباراتية الغربية، تجاوزت الخسائر البشرية لروسيا حاجز المليون شخص بين قتيل وجريح ومفقود، ترافق ذلك مع عقوبات غربية قاسية نالت من اقتصادها. هذه الخسائر والعقوبات أدت إلى تراجع شعبية بوتين، وألحقت أذىً بالغاً بصورة روسيا، حتى بدا أن حضورها في نادي القوى العظمى بات مرهوناً بالأساس بامتلاكها ترسانة نووية هائلة.. وأن صياغة مخرج أو بلورة صفقة في كييف تظل معلقة إلى حد كبير على التوجهات الأمريكية.
أمَّا القطب الشرقي الآخر الذي يُبنى عليه وهم “العالم متعدد الأقطاب”، فليس من عادته الانخراط في مغامرات ترتب أثماناً باهظة. ورغم ضخامة مصالح الصين في الإقليم، إلا أن سياستها يصعب فهمها إذا ما قُورنت بسلوك القوى العظمى تاريخياً؛ فقديماً تركزت السياسة البريطانية على حماية طريق مستعمراتها في الهند، وبعد انسحابها من السويس تلخصت السياسة الأمريكية التي ورثتها بتأمين تدفق النفط ومواجهة التمدد الشيوعي. أما الصين، فلا تتصرف كقطب ضامن لمصالحه؛ فعلى الرغم من إمساكها بأكبر أسطول ناقلات في العالم، تجلس سفنها منتظرة خارج مضيق هرمز، ولم تشتبك في باب المندب عند تكرار الاعتداءات على الملاحة رغم وجود بوارج حربية تابعة لها هناك.
إنَّ الصين تختار التعايش مع الهيمنة الأمريكية كـ “راكب مجاني” (Free Rider) يستفيد من مظلة حماية الممرات المائية التي تؤمنها واشنطن. هي لم تبلغ بعد مرحلة فرض الموقف والانحياز، وليس لها إلا عداواتها في محيطها الجيوسياسي المباشر؛ فهي صديقة للجميع في الشرق الأوسط وإفريقيا، والشريك التجاري الأكبر لكل من السعودية وإيران، والمدافع اللفظي عن القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه الشريك التجاري الثاني لإسرائيل.
ورغم اتساع دائرة الصراع الحالية في الشرق الأوسط، لم تخلع الصين حيادها العلني؛ ورغم بنائها لأول قاعدة عسكرية في جيبوتي ومشاركتها في محاربة القراصنة الصوماليين، إلا أنَّ الواقع يثبت حقيقة حاسمة: إمبراطورية التنين العظمى لم تتولَّ بعد أطراف القيادة العالمية.
ونعود هنا إلى إيران مجدداً، التي لطالما اعتبرت الصين حليفها الأكبر وتنشد دعمها الاستراتيجي؛ فرغم وجود دلائل على تقديم بكين مساعدات خفية ومحدودة لطهران دون الدخول في تحدٍّ علني للحصار الأمريكي، ورغم التقارير التي تتحدث عن مساعٍ روسية لترميم الترسانة العسكرية الإيرانية عبر ممر بحر قزوين؛ إلا أنَّ الواقع يشير إلى أنَّ كلاً من الصين وروسيا يفضّلان تحييد المواجهة المباشرة مع أمريكا، ويتجنّبان التورط في كلفة إنقاذ طهران من خياراتها.
هنا تتجلَّى الهيمنة الأمريكية؛ هيمنة لا تُدار فقط بالبوارج والقواعد العسكرية، بل بسلطة “الدولار” الذي يمسك برقاب الأسواق العالمية، وباحترافية التقنيات وسيادة الذكاء الاصطناعي الذي يمنح واشنطن تفوقاً استباقياً يغلق الطرق أمام أي منافس يحاول تعديل قواعد اللعبة.
أمام هذا الانسداد، يراهن المحور الممتد من موسكو إلى طهران على ورقة جعل التصعيد في مضيق هرمز وممرات الطاقة مؤثراً في معادلات السياسة الداخلية الأمريكية، أملاً في إحداث قفزة بأسعار النفط وتأجيج التضخم.
لكن السلوك الأمريكي يظهر سعياً حثيثاً لقطع الطريق على هذه الرهانات؛ حيث تتجه الرؤية الأمريكية نحو الاعتماد على الترتيبات الأمنية الإقليمية والشراكة مع المكون العربي السني الكلاسيكي ليتولى بنفسه مهمة حماية الملاحة وضمان استقرار الإقليم، مسقطاً الرهانات القديمة على الأقليات والحروب العابرة للحدود.
وهنا تتجلى انعطافة المشهد؛ فسوريا اليوم، تحت إدارتها الجديدة برئاسة أحمد الشرع، لم تعد تائهة في مجرات التنظير الأيديولوجي؛ إذ أدركت التحوُّل الكبير وشبت عن أوهام “العالم متعدد الأقطاب” فور سقوط نظام البعث وهروب الأسد الابن. تحث دمشق الخطى اليوم في مواكبة هذا الواقع؛ ليس فقط كخيارٍ سياسي بل كضرورةٍ وجودية لإنهاء عقود من الارتهان للمحاور الخارجية، من خلال ترسيخ مسار العدالة الانتقالية، والترفع عن الشق العسكري المباشر في إدارة الصراع الإقليمي، والعودة الحاضنة إلى المحيط العربي والدولي ضمن تحالفات استراتيجية جديدة تضع المصلحة الوطنية فوق الشعارات.
يبقى الوقت وحده الكفيل بتقديم الإجابات القاطعة، واختبار مدى قدرة هذا الواقع الصلب على الإطاحة بآخر أحلام المحاور السابقة وتوقعاتها.