مدونات

الانتقاد بين سقف التعبير وجدار السلطة

يونيو 23, 2026

الانتقاد بين سقف التعبير وجدار السلطة

كمال عيشة

يُقال احذر من السّياسيّين الذين يحيطون أنفسهم بالمادحين فقط، فالأمة تُصاب بالعمى عندما يغيب عنها صوت النّاصح الصّادق. إذا حُرمت الأمة من التناصح، تداعت أركانها من حيث لا تشعر. وهذا اعتلالٌ بنيويٌّ يصيب كيان الدّولة، والانتقاد يُعتبر بمثابة جريان الماء الذي يمنع الركود ويغسل الشوائب، وإذا سدّت السلطة منافذ هذا الجريان، كانت كالذي يبني سدوداً حول نهره، فيتحوّل ماؤه إلى مستنقعٍ آسن يقتل الخِضرة من جذورها.

يُعدّ الانتقاد السّياسي في جوهره تقييماً منهجيًّا لقرارات السلطة، من أدائها الخدمي إلى سياساتها الداخليّة والخارجيّة بكلِّ أنواعها ومستوياتها المختلفة، مستنداً إلى معطياتٍ قابلة للمراجعة والفحص، يهدف إلى التّصحيح والتحسين والتّطوير دون هدمٍ أو تعطيل. لا شكّ أن هذا التعريف بسيط في ظاهره، لكن الخلط المتعمد أو غير المتعمد بين الانتقاد وغيره هو مفتاحٌ لكثيرٍ من المظالم السّياسية اليوم. كثيرة هي الدّول التي تضمن دساتيرها حرية الرّأي والتّعبير بنصوصٍ صريحة ومفصّلة، لكنّ هوةً شاسعة تكمُن بين المكتوب على الورق وما يجري تحت الشمس.

ثَمَّة أربعة مفاهيم تتشابك في الخطاب الرّسمي لكثيرٍ من الحكومات، وهي: الانتقاد، والمعارضة، والتّحريض، والإساءة. الانتقاد هو الملاحظة الموضوعية المبنيّة على أسبابٍ واضحة وموثّقة، والمعارضة هي موقفٌ سياسي منظّم يرفض منهجاً سياسيًّا بعينه ويقترح بديلاً قابلاً للتّطبيق. أمّا التحريض فهو حثٌّ مباشر ودعوة لعملٍ غير مشروع، والإساءة هي الاعتداء على الكرامة دون دليلٍ ولا غرض إصلاحي. الفارق بين الأول والثاني حقّ مكفول، أمّا الثالث والرابع فمحل إجماع على تجريمهما في كلّ الأنظمة الحضارية. المشكلة أنّ الأنظمة الاستبدادية والدّول التي تُقيّد الحرية تتعمّد طمس الحدود بين النقد والمعارضة باعتبارهما حقوقاً، وبين التحريض والإساءة باعتبارهما جرائم؛ لأنّ وضوح القانون هو العدو الأول للاستبداد. هذا الإبهام المتعمّد هو أداةٌ سياسية مقصودة لتمييع الحقّ المشروع وإلصاقه بما هو مُجرَّم فعلاً.

لكن لا تتشابه الدول في طريقة تعاملها مع انتقاد مواطنيها، وهو الفارق الجوهري بين أنماط الحكم ومآلاتها التاريخية المعروفة. ويمكننا إجمال تلك الأنماط في ثلاثة نماذج، كل منها يُفرز نتائج مختلفة على المدى البعيد:

النموذج الأول: الدولة التي تستوعب النقد وتوظّفه للتطوير والإصلاح، وهو النموذج الأرقى، حيث تُؤسّس قنواتٍ رسميّة لتلقي الانتقادات وتحليلها والاستجابة لها، من الصحافة المستقلة، ودواوين الشكاوى والمساءلة العامة وغيرها الكثير. هذه آلياتٌ تحوّل الانتقاد من طاقةٍ احتجاجية مهدرة إلى وقود للإصلاح. الدول التي تسلك هذا المسار تتمتع باستقرارٍ أعمق وأكثر مرونة في مواجهة الأزمات، لأنّها تعالج مشكلاتها وهي صغيرة قبل أن تتمادى وتتضخّم.

النموذج الثاني: الدولة التي تحتوي النقد وتُفرغه تماماً من جدواه، حيث تتيح هذه الدول هامشاً من النقد يبدو حقيقياً لكنه محدد بعناية؛ نقد الموظفين، والرؤية الاستراتيجية، والفساد من الدرجات الدنيا، مع غضِّ الطرف عن المسؤولين الكبار والسّياسات التنفيذية ومَن هم على رأس الهرم. وهذا يحوّل النّقد إلى صمام أمان لتنفيس الاحتقان الشّعبي دون إحداث تغيير بنيوي حقيقي، ومع مرور الوقت يفقد هذا الهامش المتاح مصداقيته ويتحوّل إلى استعراضٍ مكشوف النوايا.

النموذج الثّالث: الدّولة التي تقمع النّقد وتدفع الثّمن مؤجلاً، وهو الأكثر انتشاراً تاريخيًّا والأقل كفاءة على المدى الطويل. تُوظّف هذه الدّول أدوات القانون والأجهزة الأمنية والضّغط الاجتماعي من المناصرين لإسكات كلّ صوتٍ ناقد، معتقدة أنّها تضمن الأمن والاستقرار. ومن المعلوم أنّ هذا الاستقرار المبني على الصمت القسري تتراكم نتائجه تحت السّطح إلى أن تنفجر في لحظةٍ يختارها الشعب وحده.

إنّ سقف الانتقاد في أيّ بلدٍ هو مرآةٌ عميقة لعلاقة الدولة بمواطنيها. كلّما ارتفع هذا السّقف ارتفعت معه ثقة المواطن في منظومته، وارتفعت معه جودة القرارات الحكومية، وتقلّصت معه تكاليف الإصلاح على المدى البعيد. وكلّما انخفض ذلك السقف تكدسّت المظالم وانكسرت الثقة، وتعمّق الشقاق والخلاف العقيم، وصارت فجوةُ الثقة خندقاً عميقاً يصعب عبوره. لكن صيانة حقّ الانتقاد في الدولة والتّعاطي معه بإيجابية لا يعني بالضرورة إطلاق العنان للفوضى والسّماح لكلّ من هبّ ودبّ أن ينال من هيبة الدولة ويتعدى على ثوابت الاستقرار.

إنّ لحرية التعبير حدوداً يضبطها معيارٌ قانونيٌّ واضح لسلامة المجموع، وتفعيل الدّولة لآليات المحاسبة والجزاء يُعدُّ واجباً سياديًّا حتميًّا عندما تنحرف هذه الممارسة عن غايتها التقويمية المشروعة، وتتحوّل من أدواتٍ للبناء والتقويم إلى معاول للهدم والتحريض.

ومن هنا تأتي مسؤوليّة النّاقد، الذي عليه أصالةً أن يجرّد نفسه من الأهواء الشخصية والانتماءات الضيقة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع، في مقابل مصلحة الوطن العامة، وأن يتحلى بالرصانة والصدق في طرحه، مدركاً أن الكلمة باتت أشد وقعاً وأبعد أثراً ممّا مضى بسبب التحوُّلات الهيكلية التي أحدثتها منصات التواصل الاجتماعي؛ التي أعطت الناس بمختلف توجهاتم منبراً لم يحلموا به من قبل، وحوّلت أحداثاً محليّة بسيطة إلى قضايا رأي عام عالميّة تتجاوز الحدود والجغرافيا. والمُشكِل الأكبر أنّها وسّعت سقف التعبير تقنيًّا من خلال إتاحة النّشر الفوري واللامحدود للجميع، وبنفس الوقت ضيقته وهجّنته نوعيًّا بفعل خوارزمياتها الموجّهة. والنتيجة الطبيعية لذلك أن النقد انحرف عن مساره الفكري والموضوعي وتحول إلى صرخات صاخبة، تشبه إطلاق القذائف في الهواء الطلق، تُحدث ضجيجاً كبيراً وأثراً معدوماً.

إنّ وعي النّاقد بحدود دوره وأهميته هو الضمانة الأكيدة لحماية الدّولة من ترهُّلها الداخلي على اختلاف أشكاله. لكنّ البعض ممّن يدّعي النقد لا يبتغي من كلامه إصلاحاً ولا تصحيحاً، إنّما يتلذّذ بإثارة الغبار وتشييد الأزمات من العدم، ولا يقيم وزناً للحقيقة ولا يعبأ بالدليل. على أولئك الذين اتخذوا من النقد خنادق لإثارة النّعرات العدائيّة والتحريضيّة التي تُصدّع جدار السلم الأهلي وتقّوض ركائز الاستقرار، وكانوا أبواقاً لبثّ اليأس وزرع الإحباط في النفوس، أن يدركوا أنّ ثَمّة خيطاً رفيعاً يفصل بين غيرة المُصلح ونزق المُقامر، الذي يظنُّ أنّ تقويم الجدار المائل يستلزم هدم البيت على رؤوس ساكنيه، وهو نفسه الذي يتعمّد قراءة المشهد بعينٍ عوراء لا ترى إلا العثرات. إنّ الانتقاد والمعارضة الرشيدة ينطلقان من فرضيّة الحرص والصّدق والبناء؛ لأنّ الأوطان لا تُدار بنوازع النكاية أبداً، والاستقرار هو الخطّ الأحمر الذي يجب أن تذوب عنده كلّ هوامش الخلاف.

شارك

مقالات ذات صلة