اقتصاد
رضوان الدبس
تقع مدينة البوكمال على ضفاف نهر الفرات، وعلى مقربة من الحدود العراقيّة، ما يمنحها موقعاً استراتيجيًّا، يحوّل الأنظار نحوها، كمركزٍ محتمل للصناعة والتّجارة العابرة للحدود، وفي قلب هذه الإمكانات، تبرز المنطقة الصّناعية في البوكمال، كمحرّكٍ رئيسي للتّنمية الاقتصادية، حيث تشكّل حلقة وصل بين القطاعات الإنتاجية المختلفة: الزراعة، الرعي، وتربية المواشي، التي تمثّل أهمية استراتيجية للمدينة والمنطقة عموماً، لكونها حجر الزاوية الذي يربط بين البنية التحتية للمدينة وريفها الحيوي، بالإضافة لأنّها مركز للحرف والصناعات اليدوية.
ويضاف إلى هذه المعطيات، موقع البوكمال الحدودي مع العراق، وتربعها على ضفاف نهر الفرات، ما يجعل النظر الى اقتصادها، على أنّه مبني على التكامل الطبيعي، بين الأنشطة الصناعية من جهة، والزراعة وتربية المواشي من جهةٍ أخرى، حيث يظهر هذا التداخل والترابط المشترك بوضوحٍ في عدة جوانب أساسية، أهمها: الدعم اللوجستي وصيانة القطاع الزراعي، إذ تمثّل المنطقة الصناعية شريان الحياة الفني للمزارعين في حوض الفرات بالبوكمال، حيث تضمّ المنطقة الصناعية الورش الحرفية، والمخرجات المسؤولة عن إصلاح وصيانة الجرارات، وحاصدات القمح، ومضخات المياه العملاقة المعتمدة على نهر الفرات؛ لري المحاصيل الإستراتيجية (مثل القمح، القطن، الشّمندر السّكري، والذرة الصفراء).
ويتمثّل التّرابط المشترك أيضاً، في تأمين قطع الغيار، وتوفير وسائط النقل والآلات، الذي يضمن استمرار المواسم الزراعية دون توقّف، خاصة في مواسم الحصاد والري الحرجة، إلى جانب الصناعات التّحويلية القائمة على الإنتاج الحيواني والنّباتي.
كما يظهر التّداخل الأكبر في عمليات تحويل المنتجات الخام، إلى موادٍ ذات قيمة اقتصادية أعلى، ابتداء بصناعة الأعلاف، حيث تعتمد ورشات ومعامل الأعلاف المصغرة في المنطقة الصّناعية على المخلّفات الزراعية، مثل كسب القطن، قشّ القمح، وبقايا الذّرة الصفراء، وتعمد إلى تدويرها، وتحويلها إلى أعلاف مركزة لقطاع الثروة الحيوانية الضخم في المنطقة، ومرورًا بمعامل الألبان والأجبان، التي تشتهر البوكمال بإنتاجها كميات هائلة، من حليب البقر والغنم، وتساهم الورش والمعامل الصّناعية بالمنطقة، في استيعاب هذا الفائض وتحويله إلى مشتقات ألبان تُسوَّق محليًّا وتُصدَّر إلى المحافظات الأخرى، ووصولاً إلى تعبئة التمور وتصنيع المنتجات، فمع وجود مشاريع رائدة مثل “مركز النخيل بالبوكمال”، تلعب خطوط التعبئة والتغليف المبسطة، دوراً كبيراً في تطوير سلسلة القيمة للتّمور ورمان البوكمال الشهير.
ويظهر التّكامل مع قطاع الرعي وتربية المواشي (البادية والريف)، حيث تمتلك منطقة البوكمال عموماً بادية شاسعة، تُقدّر بعشرات الكيلومترات طولاً وعرضاً، تجعلها من المصادر الرّئيسية لتصدير الأغنام في سوريا، كما يعتمد نحو 30% من سكان المدينة وريفها على تربية المواشي، وخاصة الأغنام والأبقار والإبل.
من جهةٍ ثانية تُعدُّ المنطقة الصناعية سوقاً ومنصة تجارية، حيث تمثّل مع المناطق المحيطة بها، مركزاً لتصنيع وتجهيز مستلزمات المربين والرحّل، كالخزانات، ومقطورات المياه اللوجستية لنقل المياه إلى عمق البادية، ومعدات حفر الآبار السطحية، إلى جانب الاستفادة من مخلّفات الثروة الحيوانية، إذ تتمّ الاستفادة من الصوف والجلود الناتجة عن عمليات الذبح والتربية، في بعض الصناعات الحرفية واليدوية داخل المدينة، بالإضافة للمسالخ الحديثة ومصانع لحوم، التي تتيح المجال، أمام تحسين جودة اللحوم، وزيادة فرص التسويق المحلي والإقليمي.
وهذا التكامل بين الصناعة والحياة الريفية بكافة أشكاله، يحوّل المنتجات الأولية إلى سلعٍ ذات قيمة مضافة، ما يعزّز الدخل القومي المحلي، ويقلّل الفاقد الزّراعي والحيواني.
أمّا مع التّكامل مع قطاع الزّراعة، فقطاع الزراعة أحد الأعمدة الاقتصادية الأساسية في محافظة دير الزور، من منظور قطاع اليد العاملة، حيث يعتمد حوالي 60% من سكان الريف على النّشاط الزراعي، ويعمل أغلبهم في الزراعة المباشرة أو في المصانع في المنطقة الصناعية، سواء في معالجة المنتجات الزراعية مثل صناعة المربيات والكونسروة، أو في ورش الدعم اللوجستي؛ لخدمات الأراضي الزراعية أو الورش والمصانع، كما تدعم المصانع الزراعات الثانوية، من خلال إنتاج السماد العضوي والأسمدة الكيميائية، أو المعدات الزراعية اللازمة، أو عمليات التصنيع للإنتاج الزراعي والحيواني بشكلٍ مباشر.
ويُمكن النظر لأهمية مدينة البوكمال والمنطقة الصناعية من جوانب عدة، تتمثّل في تحفيز النّمو الاقتصادي المحلّي، عبر توفير فرص عمل للسكان المحليين، والحدّ من البطالة وزيادة الدّخل، وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، خاصّة في مجالي الصناعات التحويلية والتجارية، وتنمية البنية التحتية، بما يضمن تحسين الطّرق والكهرباء والمياه والخدمات اللوجستية، التي تصبّ في إطار دعم وخدمة القطاع الصناعي.
كما يساهم تحسين الخدمات في المنطقة الصناعية وتطويرها في دعم نقل البضائع نحو الأسواق الداخليّة والخارجيّة بسهولة، وتشجيع الصناعات التحويليّة، ومشاريع معالجة المنتجات الزراعية والحيوانية، من ألبانٍ ولحومٍ وتمور، ما يزيد من قيمتها في السوق، بالإضافة إلى تحويل المواد الخام لمنتجات جاهزة للبيع محليًّا أو للتصدير، والحدّ من الهجرة، من خلال إتاحة فرص عمل صناعيّة بما يقلل من هجرة الشباب نحو المدن الكبرى أو للخارج.
وتقود هذه المعلومات لمصطلح التنمية المستدامة، حيث تشير الدراسات الاقتصادية إلى أنّ المناطق الصناعيّة المتكاملة مع الزّراعة والرّعي، ترفع معدَّلات النمو المحلّي بنسبة 5-7% سنوياً، وتقلّل البطالة بنسبة تصل إلى 10-15% إذا ما تمّ استثمارها بشكلً فعّال.
التحديات والآفاق المستقبلية للمنطقة
بالرغم من هذا التّداخل الإيجابي، فإنّ المنطقة بحاجةٍ دائماً إلى تطوير هذه العلاقة؛ فغياب المعامل الحكومية الضخمة (مثل مطاحن القمح الكبيرة، ومصانع الكونسروة، ومعامل السكر) يترك جزءاً كبيراً من الإنتاج الزراعي والحيواني رهناً بالتسويق البدائي أو التجارة الضعيفة.
لذلك، فإنّ إنعاش المنطقة الصناعية في البوكمال وربطها تكنولوجيًّا بالزراعة والثروة الحيوانية يُعدٌّ المخرج الأساسي لتوفير فرص العمل، والحدّ من البطالة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي للمنطقة الشرقية.
تكامل اقتصادي وتنمية مستدامة
يرى مختصون في الشأن الاقتصادي أنّ نجاح المنطقة الصناعية في البوكمال يعتمد على تحقيق التّكامل بين القطاعات الإنتاجية المختلفة، بحيث تصبح الزراعة وتربية المواشي مصدراً للمواد الخام، بينما تتولّى المنشآت الصناعية عمليات التصنيع والتعبئة والتسويق.
ويؤدي هذا التكامل إلى تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، وزيادة الاستثمارات، وتحسين مستوى المعيشة، والحدّ من البطالة والهجرة، إضافة إلى تعزيز الأمن الغذائي من خلال استثمار الموارد المتاحة بكفاءة أكبر.
آفاق مستقبلية
مع إعادة تأهيل البنية التحتية وتطوير الخدمات الأساسية، يمكن للمنطقة الصناعيّة في البوكمال أن تتحوّل إلى مركزٍ اقتصادي إقليمي قادر على استقطاب الاستثمارات في الصناعات الغذائية والتحويلية، مستفيدة من الثروة الزراعية والحيوانية التي تتمتع بها المنطقة.
وفي ظلّ التحديات الاقتصادية الراهنة، تبقى المنطقة الصناعية أحد أهمّ أدوات التنمية المحلية، لما توفره من فرصٍ لخلق قيمة مضافة للمنتجات الزراعية والحيوانية، وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة تعود بالنّفع على المجتمع المحلّي والاقتصاد الوطني على حدٍّ سواء.