أدب
هذه قِصَّة قرأتُها عند الأديب أحمد حسن الزيات في كتابه «سِيَر ورجال.. تَراجِم مِن وحي الرسالة»، حيث تقابل مع أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد وحكى له عن الشيخ محمد عبده في جنيف. وهُنا القِصَّة كما يرويها لطفي السيد:
«زُرت الشيخ محمد عبده في جهة شارع الشيخ عبد الله نائبًا عن فريق من الطلبة، ألتمس منه أن يقرأ لنا درسًا في التفسير بمسجد الفتح على مقربة من مدرسة الحقوق، فأجاب الملتمس، وانضمَّ إلينا طلبة من دار العلوم، فكُنَّا بين الثلاثين والأربعين. وهنالك قَوِيَت الصِّلَة بيني وبين الشيخ حتى بلغَت حدَّ الألفة.
وفي سنة 1897 سافرتُ في الشتاء إلى جنيف لغرضٍ سياسيٍّ، فانتهزتُ هذه الفرصة وانتسبتُ إلى جامعتها في دروسٍ في الأدب والفلسفة أقامتها في الصيف خاصة للحاصلين على درجة علمية، واتفق أن جاء الشيخ محمد عبده وسعد بك زغلول وقاسم بك أمين مُصطافين، وكان المرحوم قاسم بك يشتغل في كتاب “تحرير المرأة”، وكان يقرأ لنا غالبًا بعد الظُّهر في كتاب للفيلسوف الفرنسي تين. ومن العجيب أننا كلما التوى علينا فَهْم عبارةٍ كان الشيخ عبده -وهو أقلُّنا عِلْمًا باللغة الفرنسية- يجلو لنا غامضها!
سافر سعد باشا وقاسم أمين بك وبقي الشيخ محمد عبده، فانتسب معي إلى دروس الأدب وأقبل عليها بجدٍّ ومثابرة. وأذكر أن أستاذ الأدب كان قد قرر علينا في ما قرر كتاب “روي بلاس” لفكتور هوغو، نقرؤه وندرسه ثم نناقشه وننقده في الدرس أمامه، فلما جاء يوم المناقشة أدلى كل طالب برأيه والأستاذ يُعقِّب على الآراء فيُخطِّئ ويُصوِّب ويُصحِّح، حتى نخرج آخر الأمر بطائفةٍ صالحة من الآراء الصائبة. وخرج الشيخ محمد عبده شديد الإعجاب بما رأى وسمع، وقال: “هكذا يكون التعليم! نحن في بلدنا لا نعلم”. واعتزم أن يُدخِل هذه الطريقة في الأزهر.
كان مراحنا ومغدانا قبل الدرس وبعده إلى حلوانية تجاه الكُلِّية تُدعى “إكسلين”، ويأبى الشيخ -رحمه الله- إلا أن يدعوها “إخصلين” على الرغم من وَسامتها الظاهرة.
وكان زِيُّه وعمامتُه قيدَ الأبصار وموضعَ التساؤل ومُستجرَّ الحديث في كل مكان نحلُّ به».
وهُنا ذكر الأستاذ لطفي السيد بعض الطُّرَف التي تدلُّ على ظُرْف الشيخ ولُطْف رُوحه ورِقَّة شمائله، ثم قال: «وكان مِن عادتنا أنَّ المتقدِّم منا ينتظر المتأخِّر عند هذه الحلوانية حتى نذهب إلى الدرس معًا. وفي ذات يوم جئتُ قبلَهُ فانتظرتُه ثم انتظرتُه حتى مضى الوقت الذي كان يصلُ فيه عادةً إذا تأخر، وكانت الجامعة قد استقدمَت أحد العلماء الطبيعيين ليُحاضِر في استحضار الأرواح، والدخول عامٌّ والزحام لا بُدَّ شديد، فلما أزِفَ موعد المحاضرة ولم يبقَ إلا دقائق قلتُ للفتاة: “إذا جاء الشيخ فأخبريه أني انتظرتُه إلى قُبيل المحاضرة”.
ثم مضيتُ فدخلتُ مُدرَّج المحاضرات مِن بابه الأعلى وأخذتُ مجلسي بين الحضور. ولَشَدَّ ما كانت دهشتي حين وثبَت إلى عيني عمامة الشيخ جالسًا في الصفوف الأمامية بين سيدتين جميلتين، يميل على هذه مرة وعلى تلك أخرى!! فداخلني من أمر الإمام ما لم أكُن أعهدُه.
ثم خُيِّل إليَّ أنَّ الزمن يُبطئ والدرس يثقُل لأنَّ رغبتي كانت تُلِحُّ في الوقوف على جلية الخبر. فلما انتهت المحاضرة أسرعتُ في النزول إليه وفي عيني دهشة وعلى وجهي تعجُّب وبين شفتيَّ كلام! وتبيَّن الشيخ ذلك في هيئتي من بعيد، فصاح قبل أن أُحدِّثَه: “تعال يا لطفي أقدِّمك إلى البرنسيس”!
وقدَّمني إلى الأميرتين نازلي وخديجة! وكان ذلك أول معرفتي بالأميرتين المصريتين، فدعتانا إلى الشاي في الفندق الفخم الذي تنزلان به».
وفي مقالٍ آخَر للزيات يتتبع شخصية الشيخ محمد عبده ويقول عنه: «ميت لا يموت»، ويبرع في الوصف كعادته، فشخصية محمد عبده فيها قلق مقدَّس عبَّر عنه بقوله: «وذلك القلق مبعثه في المصلح صفاء النفس ولطف الحس وحدَّة الفطنة، فهو وحدة يدرك النقص فيروم الكمال، ويلحظ الخطأ فيطلب الصواب، ويسأم الركود فيبتغي التحول، ولذلك كان الإمام لا يكره طبعه على حال، ولا يلبس سمعه على رأي، ولا يملك لسانه عن نقد، ولا يكف عزمه عن تغيير، ولا يخزل جهده عن إصلاح».
وهُنا عودة إلى مسألة التعليم في بال الشيخ محمد عبده وإصلاح الأزهر. يقول الزيات: «دخل المعهد الأحمدي فبَرِمَ بالتعلم لفساد الطريقة وسُوء الكتاب، فكان وَكْدُه طُول عمره أن ينعش الدِّين من هذا الجمود، ويخرج الأزهر من هذه الفوضى، وينقذ الطلاب من هذا العنت».
وأخذ الزيات يُكيل المدح للشيخ من متانة الخلق، وصلابة الرجولة، وشِدَّة الأسْر، وقوة الحيوية، وحدَّة الذهن، وصفاء الملَكة… ويخلص إلى أنه ذو طبعٍ ذكيٍّ، ونبوغٍ فطريٍّ، ونفحة من رُوح الله، ليُعيد كلمته إلى لسانه، ويبعث شريعته على قلبه.