Blog
وسيم محمد علي
يشهد الاقتصاد التركي مرحلة دقيقة تتقاطع فيها إشارات متباينة صادرة عن البنك المركزي التركي. ففي تقرير التضخم الأخير، جرى رفع نطاق توقعات التضخم لعام 2026، مع تأكيد استمرار صلابة تضخم الخدمات، واحتمال بقاء أسعار الغذاء في حالة تقلب، إضافة إلى مخاطر صعودية مرتبطة بالسلع الأساسية غير النفطية.
كما أقرّ التقرير بأنّ توقعات التضخم ما تزال هشة، وأنّ مسار خفضه يتطلب إدارة حذرة ومستمرة. في الوقت نفسه، تمّ خفض سعر الفائدة الأساسي. هذا التزامن بين رفع تقديرات المخاطر والمضي في التيسير النقدي يضع السياسة النقدية التركية أمام مفارقة واضحة.
فالسردية الرسمية تتحدّث عن بدء مسار خفض التضخم، وتباطؤ الطلب المحلي، واتجاه فجوة الناتج نحو السلبية، وتحسن المؤشرات المالية مع ارتفاع الاحتياطيات وتراجع كلفة التأمين على الديون السيادية. إلا أنّ البيانات التفصيلية تكشف أنّ تضخم الخدمات ما يزال يعكس ضغوطاً داخلية مرتبطة بالأجور وبنية السوق، وأنّ قوة الواردات وإشارات التراجع في الحساب الجاري تشير إلى أنّ الطلب لم ينكمش بالعمق الكافي لتبديد المخاطر السعرية سريعاً.
في مثل هذه اللحظات، تصبح إدارة التوقعات هي جوهر المعركة. فقرارات البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة لا تُقرأ كأرقام تقنية فحسب، بل كإشاراتٍ استراتيجية تحدد اتجاهات التسعير والاستثمار وتدفقات رأس المال. وأيّ خطوة تيسير في مرحلة حساسة من مسار خفض التضخم تعيد ترتيب حسابات الفاعلين الاقتصاديين، من الشركات إلى الأسر إلى المستثمرين الدوليين.
التحسن في الاحتياطيات التركية يُقدَّم بوصفه دليلاً على تعافي الثقة. غير أنّ جزءاً مهماً من هذا التحسن يرتبط بعوامل خارجية، من بينها ارتفاع أسعار الذهب وتحسن شهية المخاطرة عالمياً تجاه الأسواق الناشئة. هذه العناصر تظلّ مرتبطة بدورات السيولة الدولية، ما يجعلها أقل رسوخاً من أن تُشكّل قاعدة طويلة الأمد لمسار تيسير ممتد.
التجربة التركية خلال العقدين الماضيين تقدّم درساً بالغ الأهمية: كلّما تمّ التعامل مع بدايات تراجع التضخم باعتبارها نقطة تحوّل نهائية، عاد التضخم في دورة لاحقة بوتيرةٍ أقوى، واستدعى تشديداً أشد كلفة على النمو والاستقرار المالي. اتساق الرسائل بين التقرير والقرار ظلّ دائماً العامل الفاصل بين دورة مستقرة وأخرى مضطربة.
في المقابل، ومع مرور أكثر من عام على سقوط النظام البائد في سوريا، يقف الاقتصاد السوري أمام لحظة تأسيسية مختلفة تماماً. فالتحدي هنا لا يقتصر على إدارة دورة تضخم، بل يمتد إلى إعادة بناء الثقة بالعملة، وإعادة تعريف دور البنك المركزي، وصياغة إطار نقدي جديد يخرج من إرث طويل من التشوهات والانهيارات.
الرؤية التي سيتبناها البنك المركزي السوري في المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار الاستقرار النقدي. فالسؤال المطروح لا يتعلّق فقط بالأدوات، بل بالمنهج: هل سيُبنى الإطار النقدي على أولوية استعادة المصداقية وضبط التوقعات قبل أيّ اعتبارٍ آخر؟ أم سيجري اللجوء إلى حلولٍ قصيرة الأجل تستجيب لضغوط النمو وإعادة الإعمار على حساب استقرار الأسعار؟ هنا تبرز العلاقة الاستراتيجية المتنامية مع تركيا بوصفها شريكاً اقتصادياً رئيسياً.
التجربة التركية تقدّم نموذجاً معقّداً؛ فهي تُظهر أهمية العودة إلى أدواتٍ تقليدية قائمة على أسعار فائدة إيجابية حقيقية وانضباط في الخطاب النقدي، لكنّها تكشف أيضاً حساسية التوقيت وخطورة إرسال إشارات متباينة في مراحل دقيقة. بالنسبة لسوريا، التي تبدأ من قاعدة نقدية هشة وعملة تعاني من ضعف عميق في الثقة، تبدو أولوية الاتساق أكثر إلحاحاً بكثير. فإعادة بناء المصداقية تتطلّب وضوحاً في الهدف، واستقلالية مؤسسية فعلية، وربطاً صارماً بين التقديرات الرسمية والقرارات التنفيذية. أيّ فجوة بين الخطاب والسياسة في هذه المرحلة قد تُترجم سريعاً إلى ضغوطٍ على سعر الصرف وارتفاع في الدولرة وتسارع في التضخم.
البيئة السورية تختلف عن التركية من حيث حجم الاقتصاد، وبنية الإنتاج، وعمق الأسواق المالية. غير أنّ القاعدة المشتركة في الاقتصادات الخارجة من أزمات عميقة تكمن في أنّ الثقة تُبنى ببطءٍ وتُفقد بسرعة. ومن هنا، فإنّ صياغة سياسة نقدية سورية جديدة قد تستفيد من التجربة التركية عبر تجنب المفارقة نفسها: لا يمكن رفع تقدير المخاطر في التقارير الرسمية مع تبني مسار تيسير سريع في القرارات التنفيذية.
إعادة الإعمار في سوريا ستفرض ضغوطاً تمويلية كبيرة، وستغري أيّ سلطةٍ نقدية بتسهيل الائتمان وخفض كلفته دعماً للنشاط الاقتصادي. إلا أنّ التجارب المقارنة تُظهر أنّ النمو القائم على استقرارٍ نقدي صلب يكون أكثر استدامة من النمو المدفوع بسيولة سريعة التآكل. ومن هنا، فإنّ التعويل على شراكاتٍ إقليمية، وفي مقدمتها الشراكة مع تركيا، قد يوفر دعماً مالياً واستثمارياً، لكنّه لا يغني عن بناء إطار نقدي داخلي متماسك. المفارقة التركية بين تصاعد المخاطر وتراجع الفائدة تقدّم مادة تحليلية مهمة لصنّاع القرار في دمشق.
فهي تذكّر بأنّ السياسة النقدية ليست مجرّد استجابة آنية للمؤشرات، بل هي إدارة لتوقعات مجتمع كامل ولسلوك الأسواق المحلية والدولية. وكلّما كان الاقتصاد في مرحلةٍ انتقالية حساسة، تضاعفت كلفة الإشارات غير المتسقة. من أنقرة إلى دمشق، تتقاطع الأسئلة حول المصداقية، والتوقيت، وإدارة المخاطر.
تركيا تدير مسار خفض تضخم في اقتصاد متوسط الحجم مندمج في الأسواق العالمية. سوريا تتهيأ لإعادة تأسيس منظومة نقدية في اقتصاد يخرج من صدمةٍ تاريخية. وفي الحالتين، يبقى العامل الحاسم واحداً: وضوح الرؤية واتساق القرار مع التقدير المعلن للمخاطر. المرحلة المقبلة في سوريا ستكشف ما إذا كان البنك المركزي السوري سيتبنّى نهجاً محافظاً يضع استقرار العملة في صدارة الأولويات، مستفيداً من دروس التجربة التركية، أم أنّه سينزلق إلى موازنة دقيقة بين النمو والاستقرار قبل أن تترسّخ قواعد الثقة. وفي اقتصادات الذاكرة التضخمية، يظلّ الاتساق بين الخطاب والقرار هو حجر الأساس لأيّ مسارٍ مستدام.


