مدونات

دمشق وملف حزب الله.. حدود الدور السوري والمخاطر الإقليمية

مارس 23, 2026

دمشق وملف حزب الله.. حدود الدور السوري والمخاطر الإقليمية

محمد عبد الحميد السطم

في سياق التحوّلات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تتزايد المؤشرات على سعي الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة مقاربتها الأمنية في المنطقة، عبر تقليل انخراطها المباشر، مقابل الدفع بفاعلين إقليميين للاضطلاع بأدوارٍ أكبر في إدارة الأزمات. وفي هذا الإطار، برزت طروحات إعلامية وسياسية تشير إلى إمكانية تشجيع سوريا على الانخراط عسكرياً في لبنان، ضمن مقاربة تستهدف معالجة نزع ملفّ سلاح حزب الله.

ورغم أنّ هذا الطرح قد يُقدَّم ضمن خطاب تقني يركز على “الاستقرار” و”ضبط التوازنات”، تكشف قراءته ضمن سياق أوسع أنّه يتجاوز البعد الأمني المباشر، ليطال طبيعة الدور السوري وحدود هذا الدور في بيئةٍ إقليمية شديدة التعقيد.

يندرج هذا التوجه ضمن سياسات “تقاسم الأعباء”، حيث تسعى القوى الكبرى إلى إعادة توزيع المسؤوليات الأمنية على أطراف إقليمية. غير أنّ هذه المقاربات غالبًا ما تضع الدول المعنية أمام معادلة دقيقة: بين الانخراط بما يحقّق مكاسب محتملة، وبين الانزلاق إلى أدوارٍ وظيفية قد تقيد استقلال قرارها على المدى الطويل.

بالنسبة لسوريا، فإنّ أيّ انخراطٍ عسكري خارج الحدود وخاصة في الحالة اللبنانية لا يمكن النظر إليه كخيارٍ محدود أو قابل للاحتواء بسهولة. فلبنان لا يمثل ساحة تقليدية للتدخل، بل هو فضاء سياسي وأمني متداخل، تتقاطع فيه مصالح قوى إقليمية ودولية، في مقدمتها إيران، إلى جانب الحسابات المرتبطة بأمن إسرائيل. وفي مثل هذا السياق، فإنّ أيّ تحرك عسكري سيكون عرضة لإعادة تفسيره ضمن صراعات أوسع، ما يرفع من احتمالات التصعيد بدل الحد منه، إلا أنّ التحدي لا يقتصر على البيئة الإقليمية، بل يمتد بعمقٍ إلى الداخل السوري ذاته. فسوريا، التي تمر بمرحلة إعادة بناء سياسي واقتصادي، لا تبدو في موقعٍ يسمح لها بتحمل كلفة انخراط عسكري خارجي، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي. فالتدخلات العسكرية، حتى في حدودها الدنيا، تتطلّب موارد مالية وبشرية، وتفرض أولويات قد تتعارض مع متطلبات إعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار الداخلي، كما أنّ البعد الاجتماعي لا يقل أهمية، إذ إن أيّ قرارٍ بالانخراط الخارجي قد يثير تساؤلات داخلية حول جدوى هذا التوجه، في وقت ما تزال فيه التحديات المعيشية وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع قائمة. وفي هذا الإطار، يصبح الحفاظ على التماسك الداخلي أولوية تتقدّم على أيّ أدوار ٍخارجية محفوفة بالمخاطر.

على الصعيد الخارجي، يحمل هذا السيناريو تداعيات معقّدة على شبكة العلاقات السورية. فالدخول في ملفّ حساس كملفّ حزب اللّه قد يضع دمشق في موقعٍ حرج مع أطرافٍ إقليمية فاعلة، كما قد يعيد تشكيل علاقاتها مع دولٍ عربية وإقليمية أخرى تسعى إلى استقرارٍ محسوب لا إلى فتح جبهات جديدة.

ومن الزوايا التي لا يمكن إغفالها، البعد التاريخي في الذاكرة اللبنانية. فالتجربة السابقة للتدخل السوري في لبنان خلال العقود الماضية ما تزال حاضرة في الوعي السياسي والاجتماعي اللبناني، وتحمل معها حساسيات عميقة تجاه أي عودة عسكرية سورية. وفي هذا السياق، فإنّ أيّ انخراطٍ جديد بغض النظر عن طبيعته أو مبرراته قد يُفسَّر من قبل قطاعاتٍ واسعة على أنّه إعادة إنتاج لنمط سابق من التدخل، أو حتى بوصفه شكلًا من أشكال “الوصاية” أو “الاحتلال”، وهو ما قد يقوض أيّ أهداف معلنة تتعلّق بتحقيق الاستقرار.

إلى جانب ذلك كلّه، تطرح هذه المقاربات إشكالية “ترابط الملفات” في التفاوض الدولي، حيث قد يتمّ ربط الانخراط في لبنان بملفات أخرى، مثل التهدئة في الجنوب السوري أو إعادة ضبط العلاقة مع إسرائيل. ورغم أنّ هذا الربط قد يبدو في ظاهره مدخلًا لتحقيق توازنات جديدة، إلا أنّه يحمل مخاطر تحويل القضايا السيادية إلى عناصر ضمن مقايضات متعددة الأطراف، بما قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في هامش القرار الوطني.

كما يُخشى من تمدد نطاق المهمة، حيث تتحوّل التدخلات المحدودة إلى التزاماتٍ مفتوحة يصعب إنهاؤها دون كلفة مرتفعة. وفي بيئة كلبنان، حيث تتشابك التوازنات الداخلية مع امتدادات إقليمية، فإنّ هذا الاحتمال يصبح أكثر ترجيحًا، ما يجعل من الصعب ضبط سقف الانخراط أو التحكم بمآلاته. 

في المقابل، تشير التجارب إلى أنّ المقاربات الأكثر استدامة للاستقرار هي تلك التي تركز على دعم مؤسسات الدولة الوطنية بدلًا من استبدالها أو تجاوزها. وفي الحالة اللبنانية، يبرز دور الجيش اللبناني ركيزة أساسية يمكن البناء عليها، ما يجعل من دعم هذه المؤسسة بالتعاون مع شركاء دوليين خيارًا أكثر انسجامًا مع منطق بناء الاستقرار طويل الأمد، كما أنّ الأدوات غير العسكرية، مثل التنسيق الأمني، وضبط الحدود، والانخراط في مسارات دبلوماسية متعددة الأطراف، توفّر بدائل أكثر مرونة وأقلّ كلفة، وتسمح بإدارة المخاطر بشكلٍ أفضل مقارنة بالانخراط العسكري المباشر.

في المحصلة، لا يتعلّق النقاش بمدى أهمية تحقيق الاستقرار في لبنان، بقدر ما يتعلّق بطبيعة الوسائل المستخدمة لتحقيقه، وحدود الدور الذي يمكن أن تؤديه الدول المعنية دون أن تتحوّل إلى جزءٍ من المشكلة. وفي هذا السياق، تبدو المقاربة الأكثر اتّزانًا هي تلك التي توازن بين الانخراط المسؤول والحفاظ على الاستقلالية، وتجنّب الانزلاق إلى أدوارٍ تتجاوز القدرة على التحكم بمآلاتها.

لذا فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الاستجابة للضغوط أو إغراءات الترتيبات المؤقتة، بل في بناء رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تضع في اعتبارها دروس الماضي، وتعقيدات الحاضر، ومتطلبات الاستقرار في المستقبل.

شارك

مقالات ذات صلة