ثقافة

التاريخ السياسي والاجتماعي لعيد “نوروز” في الدولة السورية

مارس 21, 2026

التاريخ السياسي والاجتماعي لعيد “نوروز” في الدولة السورية

لا يمكن اختزال “نوروز” في كونه مجرد تقويم زمني يبدأ مع الاعتدال الربيعي، بل هو في الوجدان الجمعي الكردي “اللحظة الصفر” التي انبعثت منها الهوية من رماد النسيان.

في الحالة السورية تحديداً، لم يكن النوروز يوماً للاحتفال بالطبيعة فحسب، بل كان “خندقاً ثقافياً” وصراعاً مريراً بين إرادة شعب في إثبات وجوده، وبين أيديولوجيات قومية حاولت صهر هذا الوجود في بوتقة واحدة.

اليوم، وفي ظل التحولات الجذرية لعام 2026، نقرأ قصة هذا العيد كمرآة لتحولات الدولة السورية نفسها.

أولاً – الميثولوجيا والتاريخ القديم (أصل الشعلة)

تضرب جذور النوروز في عمق التاريخ الآري القديم، وتعود إلى أكثر من 2700 عام.

  • أسطورة كاوا الحداد: تروي الملحمة الكردية قصة الملك الطاغية “ضحاك” الذي كان له على كتفيه حيتان تقتاتان على أدمغة الشباب من شدة شره؛ قام “كاوا الحداد” بقتل الطاغية بمطرقته في 21 آذار، وأشعل ناراً فوق القصر وقمم الجبال لتكون “شيفرة” حرية وصلت لكل القرى أي أن الطاغية قد هلك.
  • البعد التاريخي: يربط المؤرخون (مثل مهرداد إيزادي) بين الأسطورة وحادثة سقوط نينوى (عاصمة الآشوريين) عام 612 ق.م على يد تحالف الميديين والبابليين؛ هذا السقوط مثل انزياحاً كبيراً من عهد الإمبراطوريات العسكرية إلى عهد الشعوب الميدية (أجداد الكرد)، ومن هنا اكتسب نوروز طابعه القومي “التحرري” وليس “الديني” فقط.

ثانياً – النوروز والدولة السورية (من الاستقلال إلى الاستبداد) ما قبل التحرير

1. مرحلة ما قبل البعث (1946 – 1963)

كانت سوريا في عهدها البرلماني أكثر تسامحاً وتعددية؛ لم يكن نوروز حينها “قضية أمنية”.

كانت العائلات الكردية في دمشق (حي الأكراد “ركن الدين”) وفي الجزيرة الفراتية وعفرين وماحولها تخرج للطبيعة بملابسها التقليدية دون خوف من الاعتقال.

كانت الدولة ترى في التنوع جزءاً من الفسيفساء الوطنية السورية قبل صعود الفكر الإقصائي.

2. عهد البعث والأسد الأب (1970 – 2000) – “جرح الهوية”

مع إحكام حافظ الأسد قبضته على السلطة، تحول نوروز إلى “جريمة سياسية”.

  • الحزام العربي وإحصاء 1962: تزامن القمع الثقافي لنوروز مع محاولات التغيير الديموغرافي في محافظة الحسكة.
  • مرسوم “عيد الأم”: في محاولة خبيثة للالتفاف على العيد، أصدر النظام قراراً بجعل 21 آذار “عيداً للأم”؛ كان الهدف هو منع أي تجمع كردي تحت مسمى “نوروز”، وإرغام الطلاب والموظفين على الدوام الرسمي للاحتفال بعيد الأم السوري، ومن يغيب يُعتبر “انفصالياً”.
  • أحداث ركن الدين 1986: شهدت دمشق أول صدام دموي كبير في نوروز، حين أطلق الأمن النار على المحتفلين وسقط “سليمان آدي” قتيلاً وقتها إثر هذه الأحداث، ليصبح نوروز منذ ذلك الحين “يوم تحدٍ” وليس “يوم نزهة”.

3. عهد بشار الأسد وانتفاضة 2004 (المعركة الكبرى)

كان نوروز 2004 هو النقطة الفاصلة؛ بعد أيام من “انتفاضة القامشلي” (12 آذار) وسقوط عشرات الشهداء، جاء نوروز والمدن الكردية تحت الحصار العسكري.

  • تحول العيد إلى “مأتم قومي” مهيب، حيث أُشعلت النيران فوق الأسطح بصمت احتجاجي.
  • استمر التضييق حتى عام 2008، حين ارتكب النظام مجزرة ليلة نوروز في القامشلي (قتل 3 شبان برصاص الأمن)، مما أكد أن النظام يرى في “شعلة نوروز” تهديداً لعرشه.

ثالثاً – عصر “المناطق المحررة” وعهد “سوريا الجديدة” (2011 – 2026)

1. لحظة الانعتاق (2011 – 2024)

بعد خروج مناطق الشمال عن سيطرة الأسد، انتقل نوروز من “السرية” إلى “العلنية المطلقة”؛ تحولت الساحات في القامشلي وعمودا وكوباني إلى مسارح ضخمة.

أصبح نوروز هو العيد الوطني الرسمي للإدارة الذاتية، وشهد صعوداً رمزياً للمرأة الكردية بالزي الفلكلوري كقائدة للمجتمع.

2. التحول التاريخي في 2026 – عهد الدولة الجديدة

مع التغيير السياسي الكبير في سوريا وتولي السيد أحمد الشرع السلطة في مرحلة تهدف لإعادة بناء سوريا على أسس مواطنة لا أيديولوجية، شهدنا تحركات نوعية تجاه النوروز:

  • المرسوم الرئاسي رقم 13 وما تلاه: صدرت حزمة مراسيم اعتبرت “نوروز” عيداً وطنياً سورياً بامتياز، مع الاعتراف بحق المكون الكردي في لغته وثقافته.
  • الرعاية السيادية: لأول مرة، نجد وزارة الثقافة في دمشق ترعى فعاليات مشتركة (عربية-كردية) تحت مسمى “نوروز السوري”؛ هذا التوجه الإيجابي ساهم في تخفيف حدة الخطاب الانفصالي، لأن الكردي شعر لأول مرة (منذ صعود البعث) أن “الرئيس” في سوريا لا يراه عدواً.

رابعاً – البعد الاجتماعي والفني (طقوس اليوم الجديد)

  • النار: لم تعد تُشعل في الخفاء بإطارات السيارات، بل أصبحت “مشاعل احترافية” توقد في الساحات العامة بحماية الشرطة السورية الوطنية.
  • الأزياء واللغة: تحول الزي الكردي (الكرا والكاوا) من تهمة سياسية إلى فخر تراثي يُعرض في مهرجانات دمشق وحلب وعلى خشبة المسرح والمهرجانات.
  • الأغنية السياسية: بداية تحول في الأغاني من “حالة الحزن والمقاومة” إلى “نمط السلام والبناء” في ظل الواقع الجديد.

خامساً – نوروز 2026.. خيار الاندماج الحتمي

بحثياً، نعتبر نوروز هذا العام هو “ترمومتر” نجاح المرحلة الأخيرة من الاندماج الثقافي للمكون الكردي في الحالة السورية:

  • النتائج الميدانية: لم تُسجل أي صدامات إثنية في المناطق المختلطة (دمشق، حماة، الحسكة، حلب وريفها).
  • التآخي الاجتماعي: شاركت وفود رسمية أو عربية حسب الحالة والمكان في حضور وتنظيم هذه الفعاليات، في مشهد يؤسس لـ “هوية سورية مشتركة” تجمع ولا تفرق.
  • الاعتراف الدولي: ساهم الاعتراف الرسمي السوري بالنوروز في تحسين صورة الدولة السورية في المحافل الدولية، كدولة تحترم حقوق الأقليات وتحولها إلى “مكونات أساسية”.

الشعلة التي لا تنطفئ

إن رحلة نوروز في سوريا هي رحلة الشعب السوري نحو الحرية؛ من مطرقة “كاوا” القديمة إلى “مطالب الكرامة” في 2011، وصولاً إلى “مواطنة 2026”.

لقد أثبت التاريخ أن “النار” التي حاول النظام البائد إطفاءها بالرصاص، أصبحت اليوم هي أحد المشاعل التي تضيء طريق سوريا نحو المستقبل؛ وطن يتسع لكل اللغات، ولكل الإثنيات، ولكل الأحرار.

أهم المراجع المعتمدة في المادة:

  1. الأكراد في سوسيولوجيا الاستبداد – دراسة تاريخية.
  2. الجريدة الرسمية السورية – قوانين المرحلة الانتقالية 2026.
  3. أرشيف انتفاضة 12 آذار 2004 – مركز توثيق الانتهاكات.
  4. تاريخ الميديين والفرس – البروفيسور مهرداد إيزادي.
  5. بيانات وزارة الثقافة السورية – آذار 2026.

شارك

مقالات ذات صلة