مدونات
الكاتب: عثمان أحمد عثمان
في الحروب الحديثة لا تتحرك الجيوش وحدها، ولا تنطلق الصواريخ أو تقلع الطائرات من القواعد العسكرية فقط، بل تنطلق أيضًا من الخطب السياسية ومن النصوص الدينية. فالكلمات غالبًا ما تسبق الضربات العسكرية، لأنّها تمنحها المعنى وتكسو الفعل العسكري برداءٍ رمزي يضفي عليه قداسة تتجاوز الحسابات المادية البحتة.
في المواجهة المشتعلة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهةٍ أخرى، لا يبدو الصراع سياسيًّا أو عسكريًّا فحسب، بل مشحونًا بلغةٍ عقائدية تمنحه بُعدًا يتجاوز الحسابات التقليدية للقوة والمصلحة. ومن ثم فالسؤال ليس ما إذا كانت الحرب دينية، بل كيف يُستدعى الدين لتأطيرها، وكيف تتحوّل العقيدة إلى وقودٍ رمزي يغذّي الصراع ويمنحه شرعية في الوعي العام.
منذ اللحظة الأولى للحرب التي شنتها إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة ضدّ إيران، حرص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إضفاء بُعدٍ ديني على المواجهة. فقد أطلق عليها بداية اسم “درع يهودا” قبل أن يتحوّل الاسم إلى “زئير الأسد”، في إشارة إلى رمز القوة والسيادة في التراث العبري.
ولم يقتصر توظيف الرمزية الدينية على التسمية فقط، بل امتد إلى توقيت الحرب أيضًا. فقد جاء انطلاقها يوم السبت متزامنًا مع عيد المساخر اليهودي، وهو العيد الذي يحيي ذكرى خلاص اليهود –بحسب الرواية التوراتية– من مؤامرة وزير الإمبراطور الأخميني الفارسي هامان الذي كان يُخطّط لإبادتهم.
ووفقًا للسردية الدينية اليهودية، جاء الخلاص عبر الملكة اليهودية أستير زوجة الإمبراطور أخشويرش، وهو ما جعل هذا اليوم في المخيال الديني اليهودي رمزًا للنجاة والانتصار. وفي السياق نفسه، أطلق سلاح الجو الإسرائيلي اسم “سفر التكوين” على السرب الأول من الطائرات التي نفّذت الضربات الجوية ضدّ إيران في اليوم الأول من الحرب، في إشارة أخرى إلى توظيف الرموز الدينية في خطاب الحرب.
يتجاوز الانخراط العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط في بعض الأحيان التفسيرات المرتبطة بالمصالح الاستراتيجية التقليدية، ليرتبط أيضًا بظاهرة الصهيونية المسيحية التي تشكّل تيارًا مؤثرًا داخل المجتمع الأمريكي.
هذا التيار ينبثق من ما يعرف بـ”لاهوت التدبير الإلهي”، وهو اعتقاد ديني يؤمن به ملايين الإنجيليين في الولايات المتحدة، يقوم على فكرة أنّ قيام إسرائيل وتوسعها يمثّلان شرطًا ضروريًّا لتهيئة المسرح التاريخي لعودة المسيح الثانية. وبناء على هذا التصور، يصبح دعم إسرائيل التزامًا دينيًّا مقدسًا لا يخضع للمراجعة السياسية التقليدية، بينما تتحوّل الحروب في الشرق الأوسط إلى حلقات ضمن سردية كبرى مرتبطة بنهاية التاريخ.
ورغم الطابع العلماني الرسمي للمؤسسات السياسية الأمريكية، فإنّ الخطاب السياسي كثيرًا ما يتضمن مفردات ذات طابع ديني أو أخلاقي واضح. فالإدارة الأمريكية تقدم نفسها أحيانًا بوصفها مدافعة عن “العالم الحر والمتحضر”، بينما تصف خصومها بأنّهم يمثّلون “قوى الشر”.
وفي إعلانه بدء ما وصفه بـ”المعركة الملحمية” ضدّ إيران، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنّه يخوض حربًا ضدّ دولة وصفها بأنّها الراعي الأول للإرهاب في العالم. كما شدّد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث في خطاب ألقاه في 3 مارس 2026 على ضرورة منع “أنظمة مجنونة تستند إلى أوهام نبوية إسلامية” –بحسب وصفه – من امتلاك السلاح النووي.
وفي السياق نفسه، قال السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي في مقابلة تلفزيونية في 20 فبراير 2026 إنّ لإسرائيل “حقًّا توراتيًّا” في أرض تمتد من النيل إلى الفرات. وأضاف ردًا على سؤال حول مصدر هذا الحقّ أنّ “صك الملكية الأصلي” موجود في سفر التكوين بالعهد القديم، قبل أن يضيف: “لا بأس لو أخذوا كلّ ذلك”.
في أوقات الأزمات الكبرى تميل الدول إلى استدعاء الهويات الدينية والثقافية لتعزيز التماسك الداخلي. فالخطاب العقائدي يعيد تعريف الصراع باعتباره معركة مصيرية تتجاوز حدود السياسة اليومية، وهو ما يسهم في تعبئة المجتمع نفسيًّا وتقليل أثر الانقسامات الداخلية.
في هذا السياق، استند رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارته لموقع تعرض لقصف صاروخي إيراني إلى نص توراتي، شبّه من خلاله النظام الإيراني بعدوٍّ تاريخي ورد ذكره في النصوص الدينية اليهودية.
وقال نتنياهو في تصريحاته:
“نقرأ في مقطع التوراة لهذا الأسبوع: اذكر ما فعله عماليق بك. نحن نتذكر ونعمل”.
ويمثل عماليق في النصوص التوراتية عدوًّا تاريخيًّا لبني إسرائيل، ويرمز في الثقافة العبرية إلى أقصى درجات الشر. وترتبط هذه الشخصية في بعض التفسيرات الدينية بنصوصٍ تدعو إلى محو ذِكراها بالكامل.
وبذلك يُقدَّم الصراع في الخطاب الإسرائيلي باعتباره معركة وجودية لحماية الدولة والشعب من تهديداتٍ تُهدّد بقاء الأمة اليهودية. فالأمن في هذا السياق لا يُعرَّف بوصفه مسألة سياسية فقط، بل كجزءٍ من سردية تاريخية أوسع مرتبطة بالبقاء بعد قرونٍ طويلة من الاضطهاد. وعندما يُصور الخصم باعتباره تهديدًا وجوديًّا، تتجاوز المواجهة الحسابات التكتيكية التقليدية، وتتحوّل العقيدة إلى إطارٍ يمنح الحرب معنى أعمق من مجرد صراع مصالح.
في السياق الأمريكي أيضًا، ظهرت خطابات دينية تمنح الصراع بُعدًا لاهوتيّصا. فقد وصف السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي الرئيس دونالد ترامب –بعد نجاته من محاولتي اغتيال– بأنّه شخصية أنقذها الله “لتكون الرئيس الأكثر تأثيرًا في قرنٍ من الزمان، وربما على الإطلاق”.
وأضاف هاكابي مخاطبًا ترامب: “أنا أثق بحدسك، لأنّني أعتقد أنّك تسمع من السماء”، مشيرًا إلى أنّ “هذه اللحظة لم تسع إليها، بل هي التي سعت إليك”.
وفي السياق ذاته، أعلنت منظمة الحرية الدينية العسكرية الأمريكية أنّها تلقت أكثر من 200 شكوى من ضباط وجنود في الجيش الأمريكي بسبب ما وصفوه باستخدام قادتهم خطابًا دينيًّا متطرفًا داخل المؤسسة العسكرية. ووفقًا للمنظمة، فإنّ بعض القادة العسكريين أشاروا إلى نبوءاتٍ مرتبطة بنهاية الزمان، واعتبروا الحرب جزءًا من خطة إلهية لمواجهة الشر.
كما زعم بعض هؤلاء القادة أنّ ترامب “مختار من يسوع” لإشعال النار في الأرض والقضاء على الشر. وفي مشهدٍ يعكس حضور الرمزية الدينية في الخطاب السياسي، تجمع قساوسة إنجيليون في البيت الأبيض في 5 مارس 2026 للصلاة مع الرئيس الأمريكي من أجل الحماية الإلهية له وللقوات المسلحة الأمريكية.
لا يمكن فهم المواجهة الراهنة في الشرق الأوسط دون إدراك أنّ السياسة –في المنطقة وفي العالم عموما– لا تعمل بمعزلٍ عن القيم والهويات والعقائد والسرديات التاريخية، إذ تشكّل هذه العناصر جزءًا مهمًّا من بنية صنع القرار السياسي.
ومع ذلك، يظهر التاريخ أنّ حتى أكثر الصراعات شحنةً عقائدية غالبًا ما تنتهي في النهاية إلى تسويات سياسية. فـ”لاهوت الحرب” قد يفسّر كيفية تعبئة المجتمعات وشرعنة المواجهات، لكنّه لا يلغي في النهاية منطق المصالح.
ويبقى التحدي الحقيقي في منع الخطاب العقائدي من إغلاق أبواب السياسة بالكامل. فالحرب التي تبدأ بشعارٍ ديني قد تكتسب زخمًا رمزيًّا كبيرًا، لكنّها تنتهي دائمًا بتكلفة بشرية واقتصادية تتجاوز بكثيرٍ كلّ الشعارات التي رافقتها.
وفي النهاية يظلّ السؤال مفتوحًا: هل تستطيع الأطراف المختلفة إبقاء العقيدة الدينية في حدود التعبئة الرمزية، أم أنّ تصاعد الخطاب الديني سيقود المنطقة إلى صدامٍ يتجاوز الحسابات العقلانية التقليدية؟


