مدونات
الكاتب: عادل العوفي
تفرز الدراما التلفزيونية، أو تطبع، الصورة التي يريدها صنّاعها عن الشخصيات التاريخية، وتجعل «الحقيقة» على المحك بين الرأي الشخصي والإنصاف المستمد من سيل المصادر والمراجع المتباينة هي الأخرى. يصنع ذلك خيطا رقيقا فارقا، لكنه شديد التأثير في مخيلة المتلقي المنبهر بأضواء الشاشة وسطوتها أكثر من أوراق الكتب. ولعل خير مثال يجسد هذه المقولة شخصية «جساس بن مرة بن ذهل»، وكيف قدمها الكاتب الراحل ممدوح عدوان في المسلسل التاريخي الذائع الصيت «الزير سالم» الذي أُنتج سنة 2000، من إخراج الراحل حاتم علي. فقد انبرت فئات عريضة لتبني نظرة العمل إليه بوصفه شخصية انفعالية ضعيفة، محدودة القدرات القتالية، وغالبا ما كانت محط استهزاء من باقي الشخصيات، وعلى رأسها «الزير سالم/أبو ليلى المهلهل». فهل ظلم عدوان جساس وجنى عليه من أجل تلميع شخصيات أخرى، تغلبية على وجه الخصوص، وفي مقدمتها سالم وشقيقه كليب؟ ولماذا قزّمه إلى هذا الحد؟
وليد سيف يثأر لجساس بن مرة
لعل النقطة المثيرة للانتباه، التي أعادت الجدل حول شخصية جساس بن مرة، جاءت على لسان أحد أهم كتاب الدراما التاريخية في الوطن العربي، الدكتور وليد سيف، صاحب الروائع الخالدة مثل ثلاثية الأندلس (صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف)، وصلاح الدين الأيوبي، وعمر، والتغريبة الفلسطينية وغيرها. إذ صرّح في أحد أحدث لقاءاته التلفزيونية بنيته إعادة إحياء شخصية الزير سالم وحقبة حرب البسوس، كاشفا أنه كتب قبل أربعين سنة مسلسلا بعنوان «ملحمة الحب والرحيل» عن تلك المرحلة، متجنبا اختصارها في تجربة الحرب أو إسنادها لشخصية واحدة، واصفا إياها بأنها النظير العربي الأهم للتراجيديا الإغريقية، لأن جميع شخصياتها تراجيدية من الدرجة الأولى. ورغم إصراره على النأي بنفسه عن تقديم رأي أو نقد مباشر للمسلسل السابق، لمح إلى أن أكثر شخصية مظلومة فيه هي جساس بن مرة، إذ حُمّل مسؤولية إشعال فتيل الحرب مقابل تعظيم القتيل. وختم حديثه بالإشارة إلى نيته إعادة طرح المشروع روائيا وربما تلفزيونيا، ما أشعل النقاش مجددا، ووجّه أصابع الاتهام إلى صنّاع «الزير سالم» بتهمة العبث بالشخصيات وتمجيد البعض على حساب الآخر. فهل يبدو هذا الشأن جديدا؟
عدوان في قلب العاصفة
حين أبصر المسلسل النور، كان النقاش محتدما على صفحات الصحف، في زمن كان فيه الإعلام التقليدي في أوج ازدهاره، قبل ميلاد عصر «الترند» ومواقع التواصل الاجتماعي. اقتصر الجدل حينها على النقاد وصنّاع العمل، وبحكم الحظوة المفرطة لشخصية الزير سالم في المخيلة الشعبية السورية تحديدا، بفعل تناقل سيرته عبر جلسات المقاهي والحكواتي، ظل المزاج الشعبي يرفض الإساءة إلى صورته، حتى وإن ناقض ذلك حقائق تاريخية صادمة. ولعل أبرز مثال يختصر هذه الحالة ما كتبه ممدوح عدوان نفسه في اعتراف صريح، حين أشار إلى رفض المخرج وبطل المسلسل، الذي كان أيضا منتجه، تصوير مشهد معركة «تحلاق اللمم»، حين جزّ الحارث بن عباد ناصية الزير وأطلقه بعد أن ظفر به، لما في ذلك من إظهار البطل في صورة مذلة. هنا رُفض تصوير الأحداث كما كُتبت، حفاظا على الصورة الراسخة في الأذهان عن المغوار الذي لا يُقهر، رغم تقدمه في العمر وخور قواه.
واللافت أن عدوان اضطر بعد الصخب العارم المصاحب لعرض المسلسل إلى الرد عبر كتاب كامل بعنوان «الزير سالم: البطل بين السيرة والتاريخ والبناء الدرامي»، وهي سابقة عربية تعكس مستوى الحوار والنقاش آنذاك، حيث وثق الكاتب ردود الأفعال وشرح مقاربته مدعّمة بالمصادر التاريخية التي اعتمدها.
«ألتراس» الزير سالم يواصل الحكاية
بمصطلحات العصر الحالي، يمكن القول إن شخصية الزير سالم محمية بظهير شعبي قوي، أشبه بـ«ألتراس» يدافع عنها وينتصر لمغامراتها ونزواتها، ظالمة كانت أم مظلومة، بينما لا تملك شخصية جساس بن مرة أي حائط يسندها، فبدت مستباحة من الجميع، رغم أن وقائع التاريخ تدحض ذلك. ويكفي أنه يحمل لقب «الحامي الجار، المانع الذمار». ويصف ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» وقائع القصة منذ بدايتها، موضحا طغيان كليب وتجبره على قومه، وما آل إليه الأمر من شرارة أشعلت ثورة جساس بعد سنوات من الصبر على الأذى، لتنتهي بمقتل الملك في لحظة مفصلية قرأها التغلبيون غدرا، وقرأها البكريون قصاصا عادلا.
جساس الثائر ضد الظلم
تنقل أغلب المصادر التاريخية صورة جساس بوصفه رافضا لظلم كليب وتجبره، لكن المسلسل وقع في تناقض واضح حين قدمه في ثوب مقاتل لم يشتد عوده، يتعرض للسخرية من شقيقه همام ورفيق درب الزير سالم. كما لم يمهد لزعامته لقومه رغم تسلمه القيادة بعد حادثة القتل مباشرة، وهو ما يطرح تساؤلات عن منطق البناء الدرامي للشخصية.
ولم يكتف العمل بذلك، بل أعاد إنتاج جساس في صورة كليب جديدة حين نصّب ملكا على بكر، فمارس القهر ذاته الذي ثار عليه، في معالجة درامية أغفلتها كثير من المصادر، وتبدو أقرب إلى اجتهاد الكاتب لطرح فكرة مفادها أن سطوة الحكم لا تُقاوم، وأن السلطة تفسد صاحبها مهما كانت دوافعه الأولى.
أما نهاية جساس، فقد اختلفت فيها الروايات بين من قال بمقتله على يد أبي نويرة التغلبي، ومن قال إن نهايته جاءت على يد ابن شقيقته، ابن كليب نفسه، بعد أن ربّاه جساس وزوجه ابنته دون أن يعلم نسبه الحقيقي. تبنى المسلسل الرواية الثانية، وأسدل الستار على شخصية حافلة بالتناقضات والغموض.
لنختم بسؤال مفتوح: ماذا في جعبة الدكتور وليد سيف بشأن شخصية جساس بن مرة؟ وهل سيعيد لها الاعتبار مجددا؟