اقتصاد

هل تنهي الليرة الجديدة الدولرة أم تكشف حجمها؟

فبراير 9, 2026

هل تنهي الليرة الجديدة الدولرة أم تكشف حجمها؟

تُناقش قضية الدولرة في الوعي العام السوري بوصفها مشكلة سلوك أو مخالفة سوق، وكأنّها قرار فردي يمكن إيقافه بتشديد رقابة أو حملة على المضاربين. لكن هذا التبسيط ينتج مغالطة مزدوجة؛ لأنّ الدولرة ليست مجرد تفضيل لعملة أجنبية، وليست أيضاً مؤامرة قائمة بذاتها. هي في جوهرها تصويت يومي على الثقة، وسلوك دفاعي يعكس ما تعرّض له النقد المحلي من صدمات متراكمة، وغياب مرساة واضحة للتوقعات، واتساع فجوة بين ما تملكه الليرة من وظائفٍ نقدية وبين ما يطلبه الناس منها.

الليرة ليست ورقة فقط، بل عقد ثقة ووسيط تبادل ومخزن قيمة جزئي، تتحرك ضمن شبكة مترابطة تشمل الإنتاج والتجارة والمالية العامة وتدفقات القطع الأجنبي وتوقعات الأسر والشركات والأمن، إضافة إلى مصداقية السياسة النقدية وقدرة المؤسسات على ضبط السوق وتنظيمه. لذلك فإنّ سؤال ”هل تنهي الليرة الجديدة الدولرة؟” لا يُجاب عنه بنعم أو لا، بل بفهم العلاقة التبادلية بين شكل العملة وقواعد إدارتها فتغيير الشكل قد يفتح نافذة لإعادة ضبط التوقعات، لكنّه لا ينهي الدولرة ما لم يترافق مع سياسات نقدية رصينة تُقنع الناس أنّ الليرة تستطيع حفظ جزء من القيمة ولو تدريجياً.

الدولرة مؤشر حساس.. لماذا تتوسع في الاقتصاد الحقيقي؟

اقتصادياً تُفهم الدولرة على أنّها انتقال لوظائف العملة من المحلي إلى الأجنبي مثل التسعير، والادخار، وحتى قياس الربح والخسارة. ويزداد الطلب على الدولار (أو ما يعادله) حين ترتفع مخاطر الاحتفاظ بالليرة، وحين تصبح الليرة ممرّاً قصيراً بين الراتب وبين شراء سلعة أو تحويلٍ إلى أصل آخر. في المقابل يضعف الطلب على الليرة عندما تتآكل قدرتها على تأدية دورين أساسيين: مخزن القيمة ووحدة الحساب.

المحرّك هنا ليس “حب الدولار”، بل الخوف من المفاجأة. في بيئات عدم اليقين لا ينتظر الناس البيانات الاقتصادية كي يقرروا؛ بل يسبقونها بسلوك التحوط. وإذا شعر التاجر أنّ تكلفة الاستبدال (أي تحويل الليرة إلى دولار أو بضاعة) أقل من تكلفة الاحتفاظ بها، فسيفضل الاستبدال حتى لو خسر نسبة من القيمة، لأنّ الخسارة المتوقعة من الاحتفاظ أعلى. بهذا المعنى تصبح الدولرة استجابة عقلانية لقواعد لعبة غير مستقرة.

لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى جانب العرض النقدي وطريقة تمويل العجز؛ فحين تتوسع السيولة أسرع من نمو الإنتاج، تتراجع القوة الشرائية ويظهر التضخم، ثمّ تنتقل الصدمة عبر قنوات الاستيراد والطاقة والنقل والمدخلات لتعمّ بقية الأسعار. وفي اقتصاد يعتمد بشكلٍ واسع على الاستيراد المباشر أو غير المباشر، يتحوّل سعر الصرف إلى محدّد تكلفة، فيتضخم أثر أيّ تذبذب على الأسعار والسلوك.

الحلقة المفرغة: ضعف الليرة، ارتفاع الأسعار، اتساع الدولرة السلوكية

في سوريا، تتخذ الدولرة شكلاً أعمق من التعامل بالدولار؛ إنّها دولرة ذهنية قبل أن تكون محاسبية. قد يُدفع ثمن السلعة بالليرة، لكن السعر يُصاغ في عقل التاجر والمستهلك بالدولار كوحدة حساب. وهنا تتشكّل حلقة تغذّي ذاتها بثلاث خطوات متتابعة:

أولاً: ضعف الليرة يرفع كلفة المستوردات والمدخلات، ويزيد التوقعات التضخمية، ويجعل أيّ عملية تسعير مرتبطة بالتحوّط لا بالتكلفة فقط.

ثانياً: ارتفاع الأسعار يدفع الأسر إلى تقليل الاحتفاظ بالليرة، والبحث عن مخزن قيمة بديل (دولار، ذهب، سلع معمرة)، فتزداد الدولرة الادخارية والسلوكية.

ثالثاً: اتساع الدولرة يضعف الطلب الطبيعي على الليرة، ويزيد حساسية السوق للإشاعة والخبر السياسي والقلق الاجتماعي، فتعود الضغوط على الليرة من جديد.

في هذه المرحلة لا يصبح ارتفاع الأسعار مجرد نتيجة، بل يتحوّل إلى توقع يُدار في السوق كحقيقةٍ مسبقة، فالتاجر يرفع السعر لأنّه يتوقع ارتفاعاً قادماً، والمستهلك يشتري بسرعة لأنه يتوقع أن يرتفع السعر، فتتحوّل التوقعات إلى واقع. وهكذا تُستبدل وظائف التخطيط والاستثمار بإدارة مخاطر يومية، ويقصر أفق القرار، وتصبح التجارة أشبه بحرب بقاء بدل أن تكون دورة اقتصادية قابلة للنمو.

لماذا لا يكفي ملاحقة سعر الصرف أو تشديد الرقابة؟

عندما تتم إدارة الدولرة بوصفها معركة ضد الرقم أو ضد المضاربين فقط، تُنتج السياسة نتائج محدودة؛ لأنّها تعالج العرض الظاهر وتترك الدافع الحقيقي قائماً. إنّ تشديد الرقابة قد يحدّ من بعض الممارسات، لكنّه لا يلغي سببها، يعني فقدان الثقة بقدرة الليرة على حفظ القيمة. وملاحقة سعر الصرف عبر تدخلات متقطعة قد تؤجل تدهوراً أو تهدئ موجةً قصيرة، لكنّها لا تبني استقراراً مستداماً إذا لم تترافق مع مرساة واضحة للتوقعات.

المشكلة أنّ الناس لا تسعّر الحاضر فقط؛ إنّها تسعّر المستقبل كما تتخيله. فإذا بقيت قواعد السوق غامضة، وتعددت الأسعار والإشارات، واستمرت مفاجآت القرارات، فإنّ أيّ تحسن مؤقت في الصرف قد يُفسَّر بوصفه فرصة للبيع والهرب، لا بوصفه بداية استقرار. هنا تتحوّل الرقابة من حل إلى تكلفة، عبر تكلفة تضاف على سلسلة التوريد وتترجم إلى أسعار أعلى أو سوق موازية أعمق.

وبالتالي فإن الدولرة لا تهزم بإغلاق نافذة واحدة، لأنها ليست نافذة؛ إنها بناء كامل من التوقعات والسلوكيات. كسر الحلقة يبدأ من تغيير قواعد اللعبة التي تجعل الاحتفاظ بالليرة قراراً خاسراً في نظر الناس.

الليرة الجديدة: فرصة لإعادة ضبط التوقعات أم مخاطرة إذا جاءت بلا إطار؟

طرح الليرة الجديدة يمكن أن يكون فرصة رمزية سياسية وتقنية في آن، فرصة لتخفيف أعباء التداول المرتبطة بتضخم الأرقام، ولإرسال إشارة بأنّ هناك انتقالاً إلى مرحلة أكثر انضباطاً وقدرة على إدارة النقد. لكنّ هذه الإشارة قد تنقلب إلى عكسها إذا لم تُترجم إلى سياسة نقدية مقنعة، لأنّ تغيير الفئات أو التصميم أو حتى حذف أصفار لا يمنح العملة قيمة ذاتية؛ القيمة تأتي من القاعدة التي تحكم إصدارها وتدفقها، ومن قدرة الاقتصاد على توليد دخل حقيقي يقابل السيولة المتداولة.

الخطر الأكبر أنّ تقدم الليرة الجديدة كحل بذاته، فتُحمَّل أكثر ممّا تحتمل. عندها، إذا استمرت الضغوط التضخمية، سيتعامل الناس معها كاسم جديد لقيمة قديمة، وستُسرّع الدولرة بدل أن تُبطئها، لأنّ خيبة الأمل في الإشارة الرمزية تكون عادةً أعلى من خيبة الأمل في الواقع المعتاد.

لذلك يجب أن تُطرح الليرة الجديدة ضمن إطارٍ واضح، ما الهدف؟ ما المسار؟ ما الأدوات؟ وما الذي سيتغير في إدارة السيولة وسعر الصرف والتوقعات؟ دون ذلك ستبقى الإصلاحات تشبه تغيير لوحة العدادات بينما المحرك نفسه يشتعل.

ما الذي ينهي الدولرة فعلاً؟ سياسات نقدية رصينة تُعيد الثقة لا تُلاحق الأعراض

إذا كانت الدولرة مؤشر ثقة، فإنّ إنهاءها يبدأ من بناء هذه الثقة عبر مسار متكامل، لا عبر إجراء واحد. ويمكن تلخيص المسار بثلاث رافعات مترابطة:

  • مرساة واضحة للتوقعات: لا يمكن كبح الدولرة إذا بقي التضخم توقعاً مفتوحاً. المطلوب هدف معلن ومفهوم، فخفض التضخم تدريجياً ضمن مسار زمني واقعي، مع تواصل اقتصادي يشرح للناس ماذا يحدث ولماذا. الشفافية هنا ليست مهمة؛ فهي أداة لتقليل الإشاعة وتثبيت التوقعات ضمن نطاق قابل للضبط.
  • إدارة سعر الصرف كإشارةٍ اقتصادية لا معركة يومية: بدلاً من تعدد الإشارات واتساع الفجوات، يحتاج السوق إلى مسار يخفّف التشوهات ويقلل علاوة المخاطر التي يضيفها التاجر على الأسعار. الاستقرار لا يعني تثبيتاً صلباً دائماً، لكنّه يعني قابلية للتوقع، وتقليل الصدمات الإدارية التي تعيد تسعير السوق على أساس الخوف.
  • أدوات ادخار بالليرة تحمي القيمة نسبياً: لن تتراجع الدولرة إذا لم يجد الناس بديلاً ادخارياً بالليرة. حين يصبح الخيار الوحيد لحماية المدخرات هو الدولار أو الذهب أو التخزين السلعي، تتجذر الدولرة. توفير أدوات ادخار بعوائد معقولة، وسياسات تقلل التآكل السريع للقوة الشرائية، يخلق طلباً طبيعياً على الليرة ويخفف التحوط.

وكلّ ذلك يتطلب تنسيقاً ضرورياً مع المالية العامة، مثل ضبط العجز وطريقة تمويله، لأنّ تمويل العجز عبر التوسع النقدي يجعل التضخم مساراً شبه حتمي، والتضخم هو الوقود الأول للدولرة. كما يتطلب مستوى أعلى من الحوكمة عبر توحيد القواعد قدر الإمكان، تقليل الاستثناءات التي تخلق سوقاً موازية، وبناء مصداقية مؤسساتية تجعل الناس يؤمنون بأنّ القرارات ليست مفاجآت يومية بل سياسة.

الخلاصة أنّ الدولرة في سوريا ليست مشكلة عملة أجنبية بقدر ما هي مشكلة ثقة. الليرة الجديدة ستكون بالفعل بوابة لمرحلة مختلفة إذا جاءت كجزءٍ من إطار نقدي واضح ومقنع، يربط بين الاستقرار والتوقعات والأدوات، ويعالج جذور الاختلال بدل ملاحقة الأعراض. أمّا إذا طُرحت كحلٍّ شكلي أو كبديلٍ عن السياسة، فستكشف حجم الدولرة بدل أن تنهيها.

عموماً، إنهاء الدولرة لا يعني طرد الدولار من السوق، بل يعني أن يعود السوريون لاختيار الليرة عملة أساس في توقعاتهم.

 

شارك

مقالات ذات صلة