مدونات
أبواب محكمة الإغلاق، وجدران تتلوها جدران، وضوء خافت يتسلل من النوافذ وشقوق الأبواب. لا تملك أن تفتح الباب فتخرج، ولا أن تلج المطبخ فتأكل، ولا أن تشتهي المشي فتهرول إلى الشارع. كلّ شيء هنا يُساق إليك في الوقت الذي يشاءه السجّان، لا في الوقت الذي تحب وترضى.
في هذا المكان قضى الروائي الكبير أيمن العتوم شهورًا من حياته، قبل أن يعلو اسمه في سماء الشهرة. وقد سجّل هذه التجربة في باكورة أعماله التي قدّمها للناس وقدّمته إليهم في آنٍ واحد: رواية «يا صاحبي السجن». يعرض الكاتب فيها تفاصيل التجربة بحلوها ومرّها، بما لها وما عليها، دون تجميل أو مواربة.
ولعلمي بحب أيمن العميق للكتاب والمكتبة، وجدتني أبحث بين صفحات الرواية وفقراتها عن أثر هذا الحب في التجربة السجنية. فإذا به جوع من نوع آخر، لا يشبه جوع الجسد، بل يتجاوزه إلى الروح:
«يا لجوعي للقراءة!! إنّها الفعل الأكثر نجاعة في هذا البحر اللجي من الوقت البطيء» (ص 55).
فالوقت في السجن، إن لم تقتله، قتلك؛ يلتهمك، ويدفعك إلى اليأس والقنوط، ويغرقك في اكتئابٍ يضاعف كآبة المكان. فماذا يفعل الإنسان حينها؟ وأين يكون المهرب؟
يصف العتوم هذه اللحظة القاسية بقوله:
«أحسست بعد صفحة الإضراب أنّ كتاب السجن صار يُفتح في كلّ يوم على صفحةٍ مشابهة لما قبلها، والحقّ يقال إنّ بعضنا أصابه اليأس والكمد، وهاجمته فرائس الاكتئاب، فانزوى بعيدًا، واتّخذ من الصمت أيقونة لعالمه الخاص، وتركنا في مهب عواطفنا المتماوجة لا ندري ماذا نفعل… ولعلّني كنت سأكون أحد هؤلاء لولا أنّني سارعت إلى حماية نفسي بالقراءة».
كانت القراءة درعًا واقية. يقرأ في اليوم كتابًا أو بعضه، يلتهم الصفحات التهامًا، كأنّه يهرب من شيءٍ لا يعرف كنهه، يفزع إلى السطور ليطرد «غول الكآبة» ومعطف المرض النفسي الذي ارتداه بعض السجناء طواعية. لا يعرف لماذا يقرأ، ولا من أيّ شيءٍ يهرب، لكنّه يعرف أنّ القراءة تنقذه.
ثمّ يطلّ «عكرمة»، رفيق التجربة، شريك الهوس بالكتب:
«كان وجهه كتابًا، وعيناه صفحات، وأصابعه كلمات، وشَعر لحيته حروفًا».
معه تحوّلت القراءة إلى عبادة، والنقاش إلى رياضة، والاختلاف إلى مناكفة فكرية. عشرات الكتب، ومئات الكتّاب، وآلاف العقول حضرت لتؤنسهم. واكتشفوا أنّ القراءة ليست قراءة سطور، بل قراءة أرواح. وأنّ السطور الجافة، بعد المران والدربة، تتحوّل إلى أرواحٍ حيّة، يتحاور معها القارئ، ويخرج الكاتب من بين دفتي كتابه ليجلس في حضرته، عابرًا الأزمنة والبلاد.
فاللغة قد تتغيّر، لكن الروح تبقى هي هي، لا تعترف بتطاول الزمن، وتمنح القارئ خلاصة التجربة خالصة لوجه المعرفة.
ويمضي العتوم في وصف هذه التجربة القرائية التي أنقذته من براثن الكآبة، وفتحت له عوالم لم يكن ليبلغها لولا هذا الكائن العجيب: الكتاب:
«للكتب مذاق الخلود، ونكهة الأمل، ولمسة من شجن، ورقة من عشق… نعشق فنقرأ، نجوع فنقرأ، يباغتنا الحرمان فنهرب إلى القراءة… يكفي أن أرى سطورًا مبهمة تتناثر في مدى الرؤية لأشعر بشيء من الطمأنينة… أين يبيعون هذه الطمأنينة؟!».
قد يرى البعض أنّ القراءة ترف، أو تسلية، أو وسيلة لقتل الوقت، أو حتى بابًا للتفاخر. قد تكون كلّ ذلك، لكنّها بالنسبة لأيمن العتوم كانت طوق نجاة، أنقذه من الغرق في بحر الكآبة واليأس والقنوط


