مدونات
في سؤال وُجه إلى الشيخ عبدالله النوري الحنبلي (ت 1981م)، ونُشر في ملحق كتابه سألوني. يسأل السائل: هل للمسلم أن يحب؟ ويأتي الجواب من قبل الشيخ النوري:
«إنّ الحديث عن الحب شائق، والبحث فيه شائك، وإنّ أول ما يمنحه الخالق للإنسان حين يهبه الحياة هو الحبّ، فالحب فطرة يهبها الله للمخلوقات كلّها».
والحبّ يختلف بحسب الأطراف؛ إذ حب القريب لقريبه صلة رحم، وحب الأم لطفلها فطرة، وما جرى عليه العشاق هو الذي تعارف الناس على إطلاق اسم «الحب» عليه، وارتبط بهذا المصطلح العديد من المشاعر التي تندرج تحته، يتصدرها الغزل، والفراق، والتوجع من البعد، والشوق. ويأتي الغزل بصفته لغة يخاطب بها القلب القلب، والروح الروح، لغة تعبيرية يتجاوز فيها الإنسان الألفاظ إلى المشاعر. وقد كان للشعراء العرب القدماء والمحدثين وقفات طويلة مع الغزل، وشاركهم الفقهاء، إذ إنّ الغزل تعبير عن مشاعر إنسانية. وعلى غرار كتاب الشيخ علي الطنطاوي من غزل الفقهاء، الذي استعرض فيه شيئًا من غزل فقهاء الإسلام، كان لفقهاء الكويت نصيب من هذا الغزل، أحببنا استعراض شيء منه.
جمال العيون.. لغة القتل الرحيم
يتصدر هذا المشهد صنيع السيد عبدالجليل الطبطبائي الشافعي (ت 1853م)، الموسوم برائد النهضة الأدبية في الكويت، حينما ضمن أبيات جرير ليخرج بمزيج يأخذ بالألباب:
«إنّ العيون التي في طرفها حورُ
هن الشقاء لقلب بالهوى دانا
تلك الصحاح المراض الفاتنات لقد
قتلنا ثم لا يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
بنظرة تدع الخريت حيرانا
يا للرجال يقدن الأسد راغمة
وهن أضعف خلق الله أركانا»
هنا يقف القلب المغلوب على أمره ضعيفًا أمام العيون التي مزجت الطهر بالفتنة، عيون «ذباحة» لا تترك فرصة للحياة. يثير السيد الطبطبائي التساؤل الملح الذي لا إجابة عليه: كيف ينهزم الرجل الخريت، العارف بالطرق ومساراتها، أمام تلك العيون؟ هكذا هي العيون، لا تقاوم، فهي «أضعف خلق اللّه»، وينهزم بسببها «أشد خلق اللّه».
لوعة البعاد وشكوى الفراق
ثم ننتقل للحديث عن الشيخ داود الجراح الحنبلي (ت 1956م)، الذي أبدع في تصوير ألم الفراق وشدة الشوق:
بُعد أحبابي كساني الأرقا
فرعى الله أويقات اللقا
كلما مر نسيم منهم
مات صبري فلهم طول البقا
في هذه الأبيات نرى الشاعر وقد غلبه الحنين إلى الأحبة، فيجدهم في النسيم حينما يمر، فيثير لوعة الماضي، وهوى يسكن القلب ولا ينفك عنه، ويكمل بث وجعه:
كنت بالشعب وكانوا جيرتي
ونعمنا زمنا قد سبقا
وترحلت لإحراز العلا
فافترقنا والهوى ما افترقا
واجتمعنا يوم عيد في منى
مرة أخرى ولذ الملتقى
الحب هنا ليس مجرد إحساس داخلي، بل تجربة وجودية تمتزج بالمكان والزمان، إذ يتذكّر الشاعر محلاتهم وآثارهم، لتصبح ذكرى لا تنسى:
واعتنقنا بعد أيام النوى
فتشاكينا الجوى الحرقا
أشعلت في القلب منهم جمرة
مذ حدا الحادي يسوق الأينقا
أيها القلب تصبر بعدهم
هكذا الدنيا نعيم وشقا
ويتقبل الشاعر هذا الوجع والمصير، إذ الدنيا نعيم وشقاء.
ثنائية الجمال والقوة
ونأتي للمفتي الشيخ عبدالله النوري (ت 1981م)، الذي ينسج مشهدًا مختلفًا، حيث يبرز ثنائية الجمال والقوة في الغزل، واستعمال «الأسلحة المحظورة» في الإغواء وفرض الهيمنة:
كم فؤاد سلبت بالوردتين
ونفوس أهلكت بالتوأمين
أخجلت من حسنها شمس الضحى
وبها فاقت على البدر بحسن
فهي معنى الحسن والحسن لها
رق عبدا طائعا من غير مين
فحياتي ومماتي عندها
فهي تحييني متى شاءت وتغني
فالحسن المبحوث هنا ليس مظهرًا خارجيًّا، بل قوة تمتلك القلوب والعقول والأجساد، ويبحث في الحسن بوصفه حالة مرادفة للتنويم المغناطيسي المتحكم بالعاشق، الذي أخضع قلب الشاعر لرغبات محبوبته، فيتأرجح بين الحياة والموت تحت سلطان حبها.
خاتمة
ويظهر لنا من خلال هذا الاستعراض الموجز كيف تعامل هؤلاء الفقهاء الشعراء مع الغزل بصفته شعورًا وجدانيًّا لا تقل منزلته عن سائر المشاعر التي يحرص الإنسان على تنميتها والبوح بها والتعامل معها. وكان الغزل عند هؤلاء الشعراء ليس مجرّد كلمات تقال، بل تصويرًا للحظات إنسانية لا تتكرر، يعبر فيها الشاعر عن الحبّ في أنقى صوره، بعيدا عن الماديات، بحثًا خالصًا في الروحانيات، عالم ما وراء المادة، في الدهشة، وفي الخلوص إلى النعيم الأبدي.

