مدونات

الموروث الأموي في الذاكرة الشيعية

يناير 31, 2026

الموروث الأموي في الذاكرة الشيعية

أسماء البري

شهد التاريخ الإسلامي انقسامًا مذهبيًّا مبكرًا ترك أثرًا عميقًا في الذاكرة الجماعية للأمة، وكان أحد أبرز محاوره الخلاف بين أهل السنة والجماعة وأتباع المذهب الشيعي، وخصوصًا في الموقف من الدولة الأموية، التي نشأت في الشام واتخذت من دمشق عاصمة لها. وقد تراكمت عبر القرون نظرة سلبية لدى كثير من الشيعة تجاه الأمويين، انعكست أحيانًا ولو بشكلٍ غير مباشر على الموقف من أهل الشام، وتحديدًا من السوريين الذين يُنظر إليهم تاريخيًّا كمؤيدين للدولة الأموية وأنّهم في الأصل بني أميّة.

كيف تكونت الخلفية التاريخية للكره؟

بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفّان رضي الله عنه واندلاع الفتنة الكبرى، برز الصراع بين الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، والي الشام حينها، حول مسألة القصاص من قتلة عثمان. هذا الخلاف السياسي تطوّر إلى نزاعٍ عسكري في صفّين، ثمّ إلى انقسامٍ دائم في الرؤية الإسلامية للتاريخ.

وبعد اغتيال الإمام علي، ومع تأسيس الدولة الأموية على يد معاوية، أصبح الحكم وراثيًّا في بني أمية، وهو ما رفضه الشيعة باعتباره انحرافًا عن “النهج النبوي والخلافة الراشدة”، وتكريسًا للملك العضوض، كما يرون.

ويُحمِّل الشيعة الدولة الأموية..وعلى رأسها يزيد بن معاوية مسؤولية استشهاد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه في كربلاء عام 61هـ، وهو الحدث المحوري في التشيع العاطفي والسياسي، والذي أصبح علامة فاصلة بين من يُعد “من أهل الحق” و”من أهل الظلم”، وفق الرؤية الشيعية التقليدية.

أما دمشق في الرواية الشيعية

وبما أنّ دمشق كانت عاصمة بني أمية، فقد أصبحت في الذاكرة الشيعية رمزًا “للحكم الجائر”، وموضعًا لتراكماتٍ رمزية ثقيلة؛ فهي المدينة التي شهدت رأس الإمام الحسين مرفوعًا على الرماح، وهي التي خطب فيها السجاد خطبته الشهيرة في مجلس يزيد، بحسب روايات شيعية.

ونتيجة لذلك، ترسّخ في بعض الخطابات الشيعية، خاصة في الحوزات التقليدية في العراق وإيران، موقف سلبي من “أهل الشام”، أو من يُظنّ أنّهم يتوارثون “الولاء الأموي”، رغم التحوّلات التاريخية الكبرى التي شهدتها المنطقة منذ سقوط الدولة الأموية عام 132هـ.

سوريا الحديثة وسؤال الطائفية التي زادت أكثر..

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وما تبعها من تدخل إيراني مباشر ودعم مليشيات شيعية موالية لطهران، من العراق ولبنان وأفغانستان، للمقابلة ضد الثوار السوريين.

 تصاعد الشعور لدى كثير من السنة السوريين بأنٌ هناك “ثأرًا طائفيًّا” يُمارس ضدهم، تغذيه مرجعيات عقائدية تعادي الأمويين وكلّ من يمتّ لهم بصلة.

وبالفعل، ظهرت شعارات طائفية في بعض معارك ميليشيا “حزب الله” والحشد الشعبي على الأراضي السورية، أبرزها شعار “لبيك يا زينب”، الذي حمل دلالة رمزية على أنّ المعركة ليست سياسية فقط، بل ذات بُعدٍ طائفي مستند إلى سرديات كربلاء وثارات آل البيت.

لكن هذا المشهد المعقّد لا يمكن تعميمه على عموم الشيعة، إذ يوجد كثير من الشيعة العرب في لبنان والعراق ودول الخليج ممّن لا يتبنون هذه النزعة الثأرية، بل يعارضون التدخل الإيراني في سوريا، ويرون أنّ ما يجري هو استغلال سياسي للتاريخ الطائفي لتكريس النفوذ.

العداء الشيعي للدولة الأموية متجذر في خلافٍ عقائدي وسياسي ضارب في أعماق التاريخ، وقد انعكس هذا العداء بطرقٍ مباشرة وغير مباشرة على النظرة لبعض الشعوب، مثل السوريين، نظرًا لارتباطهم الجغرافي والثقافي بالدولة الأموية. غير أنّ استخدام هذا الإرث التاريخي لتبرير القتل أو الكراهية الطائفية في العصر الحديث يُعدّ انحرافًا خطيرًا عن جوهر الدين.

وتجاوز هذه الإشكالات لا يتمّ إلا من خلال فهم موضوعي للتاريخ، وإدراك أنّ ما مضى يجب ألا يُستدعى لإشعال حروب اليوم. فالتحديات التي تواجه الأمة الإسلامية اليوم تفرض خطابًا وحدويًا عاقلًا، يفرّق بين المظالم التاريخية وبين الشعوب المعاصرة، ويُعلي من قيمة العدالة والحوار على حساب الحقد والثأر.

 

شارك

مقالات ذات صلة