مدونات
علي البرغوث
في خضم التحوّلات العسكرية الكبرى التي شهدها الشمال السوري، برزت أسماء قادة ميدانيين ارتبطت مصائرهم بجغرافيا الأرض التي ينتمون إليها. يُعد إبراهيم الرحمون، المعروف بلقبه العسكري “أبو عبيدة كنصفرة”، أحد أبرز هؤلاء القادة الذين زاوجوا بين العمل الدعوي والقيادة الميدانية، حتى لُقب بـ “المنحاز إلى ربه” في أوساط مقاتليه.
الجذور والنشأة: روح الريف وتأثير العقيدة
وُلد إبراهيم الرحمون في بلدة كنصفرة الاستراتيجية بجبل الزاوية. نشأ في بيئةٍ ريفية عُرفت بمحافظتها الدينية، وهو ما شكّل وعيه المبكر. قبل عام 2011، لم يكن الرحمون وجهاً عسكرياً، بل كان منخرطاً في العمل الدعوي والشرعي، متبعاً المنهج السلفي، حيث عُرف في حلقات العلم بجديته وانضباطه، وهي السمات التي نقلها لاحقاً إلى ساحات القتال.
المنعطف العسكري: قيادة “هيئة تحرير الشام”
مع عسكرة الثورة السورية، انتقل الرحمون من الوعظ إلى التنظيم العسكري. انضم إلى “جبهة النصرة” (التي تحولت لاحقاً إلى هيئة تحرير الشام)، وتدرج في المناصب العسكرية بفضل حنكته في إدارة المعارك الجبلية الوعرة.
الدور الميداني: لم يكن “أبو عبيدة” قائداً من وراء المكاتب، بل عُرف بكونه “قائد خندق”، يشارك المقاتلين مهام الرباط والتحصين.
الثقل العسكري: تولى مهام قيادية في قطاع جبل الزاوية، وهو القطاع الأكثر سخونة، وأشرف على عمليات صد محاولات التقدّم المتكررة باتجاه عمق إدلب.
الخطاب والتموضع السياسي
تميّز خطاب الرحمون بصبغةٍ حماسية دينية، لكنّه كان يحمل أبعاداً “محلياتية” قوية؛ فقد كان يركز في نداءاته على أنّ الدفاع عن إدلب هو دفاع عن “الهوية والأرض”. في رسائله الأخيرة، كان يشدد على رفض التراجعات العسكرية، معتبراً أنّ جبل الزاوية هو “حصن الثورة الأخير”.
معركة “مسقط الرأس” والنهاية
في فبراير 2020، شنت قوات النظام السوري وحلفاؤها حملة عسكرية واسعة (عرفت بمعارك شرق الطريق الدولي M5). وفي 27 شباط/ فبراير 2020، وبينما كانت المعارك على أشدها في محيط بلدة كنصفرة، قُتل الرحمون أثناء قيادته لعملية صد هجوم بري.
“رحل في الأرض التي وّلد فيها، مدافعاً عن البلدة التي حمل اسمها طوال سنوات قتاله”، هكذا وصفه ناشطون محليون عقب إعلان وفاته.
الأثر والإرث
يذكر أبو عبيدة كنصفرة اليوم في الشمال السوري كرمزٍ للثبات الميداني. بالنسبة لمؤيديه، هو القائد الذي رفض مغادرة خندقه رغم شدة القصف الجوي والمدفعي. وبالنسبة للمحللين، تمثل سيرته نموذجاً للتحوّل الذي طرأ على الكوادر الدعوية في سوريا، والتي وجدت نفسها في مواجهةٍ مباشرة مع آلة الحرب، ممّا حولها من “وعاظ” إلى “قادة حرب” أثروا بشكلٍ مباشر في رسم خارطة السيطرة في الشمال الغربي من سوريا.


