سياسة
يبدو أنّ شمال شرق سوريا بدأ يدخل فصلاً جديداً مع اتفاق وقف إطلاق النار والدمج الموقّع بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). إذ يعتبر البعض هذه اللحظة انتصاراً سياسياً وعسكرياً حاسماً للرئيس أحمد الشرع في دمشق، غير أنّ جوهر التحدي يكمن في الانتقال من منطق المواجهة العسكرية والسيطرة الجغرافية إلى منطق دمج يتطلب حنكة سياسية، في بيئةٍ يتقد فيها الجمر تحت الرماد.
الاتفاق.. آلية احتواء لا نهاية المطاف
يمثل اتفاق 18 يناير جسراً انتقالياً أكثر من كونه حلاً شاملاً. فهو يحدّد إطاراً عملياً يبدأ بوقف إطلاق النار، ويمر عبر دخول قوات الأمن العام السوري إلى المدن الرئيسية في الحسكة، وينتهي باستلام الحكومة للمعابر النفطية والموارد، ودمج مقاتلي “قسد” في مؤسسات الدولة. هذه الخطوات والإجراءات الضرورية تهدف لمنع انفجار الوضع، لكن نجاحها النهائي مرهون بما يليها.
إذ يجب الحذر من أنّ “قدرة الدولة على بسط سيطرتها الكاملة على المناطق الخاضعة للإدارة الكردية” ما تزال تحدياً قائماً على أرضية هشّة حيث إنّ التشدد في تفسير بنود الاتفاق أو محاولة فرضها قسراً قد يفرغها من وظيفتها الأساسية كآلية انتقال، بدلاً من أن تكون أداةً لبناء ثقة متبادلة تفضي إلى دمج حقيقي.
ثنائية التفوق العسكري والتحدي السياسي
تواجه دمشق معضلة أساسية في الشمال الشرقي ألا وهي أنّ التفوق العسكري النظري لا يُترجَم تلقائياً إلى استقرارٍ سياسي دائم، فالتوغل في المناطق الكردية ذات الهوية المتمايزة دون معالجة هواجسها الأساسية، خاصة المتعلقة بالإدارة المحلية والحقوق الثقافية والأمن الشخصي، قد يؤدي إلى تمرد طويل الأمد بدلاً من إنهاء الصراع. الاتفاق نفسه أقر بضرورة حماية خصوصية المناطق الكردية في إطار الدمج الفردي لمقاتلي “قسد”. أمّا الفشل في معالجة هذه المطالب فقد يدفع المنطقة نحو مساراتٍ انفصالية كنموذج قد ينتشر.
مشهد إقليمي متشابك: بين الفرصة والمأزق
تجري التطورات في شمال شرق سوريا ضمن مشهد بالغ التعقيد، فالتحوّل في الموقف الأمريكي الذي أسهم في إبرام الاتفاق، يقابله قلق إسرائيلي متصاعد، فإسرائيل التي كانت تعارض نظام الشرع وترى في أي سوريا موحدة وقوية تهديداً، تدعم التوجهات الانفصالية في المنطقة، كما أنّ أيّ تصعيدٍ عسكري سوري واسع في الشمال الشرقي قد يضع دمشق في مواجهةٍ غير محسوبة مع واشنطن في وقتٍ تحتاج فيه إلى تثبيت مكاسبها الدبلوماسية وتعزيز التعاون الاقتصادي الدولي لإنقاذ الواقع المعيشي المنهار، هذا بالإضافة لكون تقدّم دمشق عسكرياً أعاد تشكيل المخاوف الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بمزاعم حماية الدروز في الجنوب.
مفترق طرق
المسار الحالي، المدعوم بإرادة دولية وإقليمية جزئية، يتجه نحو إعادة دمج تدريجية للمنطقة في حكم دولة مركزية، إلا أنّ مستقبل هذه العملية يعتمد على قدرة دمشق على تحقيق توازن دقيق: بين فرض السيادة واحترام الخصوصيات، وبين الحسم الأمني والاحتواء السياسي، وبين استغلال مكاسبها التفاوضية والحاجة إلى مرونةٍ تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف، والدور ذاته منوط بقسد التي يمكنها عبر التعاون مع دمشق حفظ ما تبقى من خصوصية إدارة المكون الكردي في ظلّ موازين القوى الجديدة.
من هنا يمكن القول إنّ الخطوط العريضة لاتفاق 18 يناير/ كانون الثاني، رغم أنّها لا تمثل الحل الأمثل الذي يراه أيّ من الطرفين نظراً لرؤيته الخاصة، إلا أنّها تُشكّل الإطار الأكثر واقعية وقبولاً في اللحظة الراهنة، وتعبّر عن أقصى ما يمكن تحقيقه دون الدفع بالمنطقة نحو موجة عنف جديدة. فالنجاح سيؤسس لبناء سوريا أكثر استقراراً ووحدة، أمّا الفشل فسيعيد إنتاج دوامة العنف تحت مسميات جديدة، ويترك الباب مفتوحاً أمام تدخلات إقليمية ودولية تعيد رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة من جديد.


