سياسة

الشرع في روسيا.. إدارة العداء لا تبرير الماضي

يناير 29, 2026

الشرع في روسيا.. إدارة العداء لا تبرير الماضي

لم تكن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو مجرّد محطة بروتوكولية في جدول العلاقات الخارجية، بل خطوة محسوبة في توقيت إقليمي ودولي شديد الحساسية، زيارة تأتي فيما تعود روسيا، التي شكّلت خلال سنوات الثورة أحد أكثر الفاعلين تأثيراً في المشهد السوري، لتتحدّث صراحة عن وحدة الأراضي السورية وضرورة استقرار الدولة، في لحظة تعيد فيها دمشق ترتيب أولوياتها السياسية بعد عامٍ على العهد الجديد، وهي الزيارة الثانية للشرع إلى موسكو، ما يمنحها دلالة إضافية تتجاوز الرمزية، ويضعها في سياق استمرارية سياسية لا مجاملة عابرة.

في السياسة، لا تُدار العلاقات بمنطق الذاكرة وحدها، ولا تُبنى الدول على القطيعة المطلقة، بل على قراءة دقيقة لموازين القوى وتحوّلات المصالح، من هذا المنطلق، تفتح زيارة الشرع إلى الكرملين باباً واسعاً للأسئلة حول طبيعة العلاقة السورية الروسية في مرحلتها الجديدة: علاقة لا تنكر الماضي، ولا تتجاهل ثقل الدور الروسي في الحرب، لكنها في الوقت ذاته تنطلق من موقع الدولة الساعية إلى تثبيت وحدتها، وتكريس سيادتها، وإعادة تموضعها في عالم تتغير خرائطه السياسية بسرعة لافتة.

 

بين ذاكرة الحرب وحسابات الدولة

لا يمكن قراءة زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو من دون التوقف عند موقع روسيا في الذاكرة السورية المعاصرة. فموسكو ليست طرفاً عادياً في تاريخ الحرب، بل كانت الداعم العسكري والسياسي الأبرز لنظام الأسد البائد، واستخدمت ثقلها الدولي لحمايته في مجلس الأمن، وأسهم تدخلها المباشر في ترجيح كفته لسنوات.

هذه الوقائع ليست محل جدل، ولا يمكن القفز فوقها أو التعامل معها كصفحةٍ منسية في الوعي السوري العام، لكن الدولة، حين تعيد بناء نفسها بعد حربٍ طويلة، لا تتحرك بمنطق الذاكرة وحدها، بل بمنطق إدارة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون، وهنا يبرز الفارق الجوهري بين موقف الشعب، المثقل بالجراح والخسارات، وموقف الدولة، المكلّفة اليوم بتثبيت وحدة أراضيها ومنع أيّ مسار تفكيكي جديد، في هذا السياق، يصبح التعامل مع روسيا جزءاً من معادلة سياسية معقّدة، لا تعبيراً عن رضا أخلاقي، ولا تراجعاً عن سردية الثورة، بل محاولة لضبط لاعب دولي ما زال يمتلك أوراق تأثير في الملف السوري.

من هذه الزاوية، تُفهم الزيارة بوصفها انتقالاً من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة إدارة التوازنات، حيث تسعى دمشق إلى توظيف التحوّلات في الخطاب الروسي “ولا سيّما تأكيده المتكرر على وحدة الأراضي السورية” ضمن مشروع الدولة الجديدة، دون منح موسكو شيكاً على بياض، أو التغاضي عن ماضيها الثقيل في الحرب.

الزيارة الثانية.. واستحقاقات ما بعد الحرب

لا تأتي الزيارة الثانية للرئيس أحمد الشرع إلى موسكو في فراغٍ سياسي، بل في لحظةٍ تشهد إعادة ترتيب واضحة في موازين القوى الدولية والإقليمية، فالعالم الذي دخل الحرب السورية قبل أكثر من عقد ليس هو ذاته الذي يخرج منها اليوم، إذ تتراجع قدرة القوى الكبرى على فرض خيارات أحادية، لصالح مشهد دولي أكثر تشظياً وتعدداً في مراكز القرار.

 وهنا، تبدو دمشق معنية بإعادة تعريف موقعها الخارجي بعيداً عن سياسة الارتهان لمحورٍ واحد، وبما يحفظ هامش حركة أوسع للدولة السورية الجديدة. وروسيا، من جهتها، تمرّ بمرحلة إعادة تموضع سياسي، تحاول فيها تثبيت حضورها في الشرق الأوسط عبر خطاب مختلف عن سنوات الحرب.

 الدعوة المتكررة التي أطلقها الرئيس فلاديمير بوتين خلال اللقاء بشأن وحدة الأراضي السورية، واعتبار عودة مناطق شرق الفرات إلى سيطرة الدولة خطوة مفصلية، تعكس سعي موسكو للظهور كضامن للاستقرار لا طرف صراع، هذا التحوّل في الخطاب لا ينفصل عن رغبة روسية في الحفاظ على نفوذها في سوريا، ولكن بأدواتٍ سياسية واقتصادية أكثر من الأدوات العسكرية التي استُهلكت خلال الحرب.

بالنسبة لدمشق، فإنّ قراءة هذه التحوّلات تفرض التعامل مع موسكو من زاوية براغماتية محسوبة، تقوم على استثمار أيّ تقاطع يخدم مشروع الدولة، وفي مقدّمته تثبيت وحدة البلاد ومنع تفككها، فالزيارة، في هذا التوقيت تحديداً، ليست تعبيراً عن اصطفاف جديد، بل محاولة لالتقاط لحظة دولية متحركة، تتيح لسوريا توسيع هامشها السياسي، دون التفريط بثوابتها أو القبول بإعادة إنتاج علاقات غير متوازنة.

ما قيل في الكرملين

لم تكن الكلمات التي قيلت في الكرملين عابرة، بل حملت رسائل سياسية محسوبة من الطرفين. حين تحدّث الرئيس أحمد الشرع عن “مواضيع مشتركة كثيرة” بين سوريا وروسيا، وعن الدور التاريخي لسوريا في وحدة واستقرار الإقليم، كان يضع العلاقة في إطارٍ أوسع من ثنائية الحرب والتحالف، محاولاً نقلها إلى مستوى الدولة التي تجاوزت مرحلة الصراع الداخلي، وتبحث اليوم عن تثبيت سيادتها واستقرارها.

تأكيد الشرع على أنّ سوريا تخطّت خلال العام الماضي مراحل وعقبات كبرى، وكان آخرها توحيد الأراضي السورية، لم يكن توصيفاً للواقع فحسب، بل رسالة واضحة بأنّ دمشق تدخل أيّ حوار خارجي من موقع الدولة الموحدة، لا الساحة المفتوحة على التدخلات.

في المقابل، حرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التقاط هذه الرسائل والبناء عليها، عبر تأكيده أنّ وحدة الأراضي السورية تمثل أولوية، وأنّ عودة مناطق شرق الفرات إلى سلطة الدولة تشكّل خطوة محورية في هذا الاتجاه. كما أنّ حديثه عن “تنمية العلاقات في مختلف المجالات” وتحريك التعاون الاقتصادي، يعكس سعي موسكو إلى إعادة تقديم نفسها كشريكٍ في مرحلة الاستقرار، لا كطرفٍ ارتبط اسمه بسنوات الدمار.

وقراءة هذه التصريحات لا تكتمل دون التوقف عند بعدها العملي، فبالنسبة لدمشق، لا تكمن أهمية هذه الكلمات في بعدها الرمزي، بل في مدى ترجمتها سياسياً على الأرض، خصوصاً في الملفات الحساسة المرتبطة بوحدة البلاد ومنع أيّ مسارات تقسيمية، أما بالنسبة لروسيا، فإن اختبار صدقية خطابها الجديد سيبقى مرهوناً بقدرتها على الانتقال من لغة التطمين إلى مواقف تدعم فعلياً سيادة الدولة السورية، لا الاكتفاء بإعادة صياغة صورتها بعد الحرب.

ما وراء الزيارة

بعيداً عن التصريحات والبيانات، تطرح زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو سؤالاً أعمق يتجاوز العلاقة مع روسيا بحدّ ذاتها: هل باتت الدولة السورية قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية من موقع القرار، لا من موقع الحاجة؟

 هذا السؤال لا يتعلّق بموسكو وحدها، بل بكلّ القوى الدولية التي تعاملت مع سوريا خلال سنوات الحرب بوصفها ساحة نفوذ لا دولة ذات سيادة. في هذا المعنى، يمكن النظر إلى الزيارة كاختبارٍ مزدوج: اختبار لنوايا روسيا، واختبار لقدرة دمشق على فرض معادلتها السياسية الجديدة.

الفرق الجوهري بين مرحلة ما قبل سقوط النظام البائد والمرحلة الراهنة، لا يكمن في تبدّل التحالفات فقط، بل في تغيّر طبيعة التفاوض نفسه. فالدولة التي تتحدّث اليوم عن وحدة أراضيها، وعن الانتقال من الدمار إلى الاستقرار، لم تعد تبحث عن مظلة حماية، بل عن علاقات تضبط التدخلات وتحدّ من توظيف الجغرافيا السورية في صراعات الآخرين.

 من هنا، تبدو زيارة موسكو بمثابة رسالة غير مباشرة إلى عواصم أخرى، مفادها أنّ دمشق لم تعد ساحة مفتوحة، بل طرفاً يفاوض، يختبر، ويضع حدوداً. ومن هنا، لا تُقاس أهمية الزيارة بما ستنتجه فوراً من اتفاقات أو تعاون، بل بقدرتها على ترسيخ سلوك سياسي جديد، عنوانه التعامل مع القوى الكبرى من دون ارتهان، ومن دون قطيعة.

 سلوك يضع مصلحة الدولة في المقدّمة، ويحوّل العلاقات الخارجية من عبءٍ ورثته الحرب، إلى أداة ضمن مشروع وطني يسعى إلى تثبيت السيادة، لا استبدال تبعية بأخرى.

في المحصلة، لا يمكن قراءة زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو بوصفها انعطافة عاطفية أو تسوية مع الماضي، بل جزءاً من مسارٍ سياسي تحاول فيه سوريا الجديدة تثبيت موقعها كدولةٍ قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية بوعي وسيادة. فروسيا، مهما بدّلت خطابها، تبقى مطالبة بإثبات أنّ حديثها عن وحدة سوريا ليس مجرّد إعادة تموضع، بل التزام سياسي فعلي.

 أمّا دمشق، فتخوض اليوم اختباراً أدقّ: كيف تفاوض القوى الكبرى من دون أن تنسى، وكيف تبني الاستقرار من دون أن ترتهن، في عالم لا يمنح الفرص إلا لمن يعرف كيف يديرها.

شارك

مقالات ذات صلة