مدونات
محمد العماري
في خضم الضجيج الإعلامي الذي يرافق تطورات شرق الفرات، تبرز آلة دعائية نشطة يقودها موالو قسد، تعتمد بشكلٍ واضح على اجتزاء الوقائع، وتدوير فيديوهات ومنشورات غير دقيقة، أو خارجة عن سياقها، بهدف كسب التعاطف، خصوصاً في الرأي العام الأوروبي. هذه الدعاية لا تقوم فقط على إظهار الذات كضحية، بل على تبسيط المشهد إلى حدٍّ خطير: أكراد مقابل دولة، أو شعب مقابل “نظام”، متجاهلة عمداً الفروق الجوهرية بين الكرد كشعبٍ سوري أصيل، وبين تنظيمات عسكرية أيديولوجية مثل قسد وPKK، التي لا تمثل بالضرورة تطلعات كلّ الكرد ولا مصالحهم.
أحد أوجه الخلل الكبرى في الموقف الأوروبي هو هذا الجهل المركب؛ دعم سياسي وإعلامي يُمنح لقسد تحت عنوان “دعم الكرد”، دون أيّ محاولة جادة للتمييز بين هوية قومية جامعة، وبين مشروعٍ عسكري عابر للحدود، له أجنداته الخاصة وارتباطاته المعروفة. الكرد ليسوا كتلة واحدة، هم قبل كلّ شيء مواطنون سوريون عاشوا تاريخياً في مدن مختلطة، وتشاركوا الحياة مع باقي مكونات المجتمع.
في هذا السياق، يغيب عن كثير من المتابعين الحديث عن الخطوات الإيجابية التي شهدها الكرد بعد تولي الشرع الحكم. للمرة الأولى منذ عقود، حظي الكرد باعترافٍ أوسع بحقوقهم الثقافية والاجتماعية، وجرى فتح المجال أمامهم للمشاركة في الحياة العامة دون الإقصاء المنهجي الذي كان سائداً في مراحل سابقة. نسبة كبيرة من الكرد اليوم تعيش في مناطق سيطرة الحكومة، من دمشق إلى حلب وحمص، مندمجين في النسيج الاجتماعي، ويتمتعون بحياةٍ مستقرة نسبياً، بعيداً عن سطوة السلاح والتجنيد الإجباري وفرض الأمر الواقع.
وعند الحديث بالأرقام، من المهم التذكير بأنّ الغالبية العددية من الكرد السوريين تقيم في مناطق سيطرة الحكومة، بينما تتركز نسبة أقل منهم في شرق الفرات. ومع ذلك، تطرح أسئلة مشروعة حول إدارة قسد لتلك المناطق، خصوصاً منذ سيطرتها على موارد حيوية تمثل شريان الاقتصاد السوري. تقارير اقتصادية متعددة تشير إلى أن ما يقارب 80% من النفط السوري يقع ضمن مناطق سيطرتها، وهو رقم كفيل نظرياً بإحداث نقلة نوعية في البنية التحتية، والتعليم، والصحة، وفرص العمل. لكن ماذا كانت النتيجة على الأرض منذ سيطرة قسد على شرق الفرات عام 2015 إلى يومنا هذا؟
عند مقارنة شرق الفرات بإقليم كردستان العراق، وتحديداً أربيل، يظهر التباين الصادم. هناك، مدن حديثة، جامعات، استثمارات، سياحة، وإدارة مدنية واضحة. هنا في شرق الفرات، فقر متزايد، خدمات متدهورة، بطالة، وانتهاكات إنسانية بين الحين والآخر. السؤال الذي يطرح نفسه: أين ذهبت الموارد؟ ولماذا لم تنعكس هذه الثروة على المجتمع المحلي؟ هل المشكلة في غياب الإمكانيات، أم في طبيعة المشروع نفسه؟
التصعيد العسكري في الأسبوع الأخير، والذي ما يزال مستمراً، يعكس تحوّلاً واضحاً في طريقة تعامل الحكومة مع ملف قسد. السيطرة على مساحاتٍ واسعة كانت خاضعة لها تشير إلى نية واضحة لإنهاء هذا الملف عسكرياً، بعد سنواتٍ من المراوحة. هذا التصعيد لا يمكن فصله عن تراكمات طويلة من الانتهاكات التي وُثقت بحقّ المدنيين في مناطق سيطرة قسد.
منظمات حقوقية دولية، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، نشرت تقارير تتحدّث عن اعتقالات تعسفية، وتجنيد قسري، بما في ذلك أطفال، وإدارة سجون خارج إطار القانون. وقد جرى مؤخراً الإفراج عن عددٍ من الأطفال من سجون قسد، في وقائع أثارت تساؤلات أخلاقية وإنسانية عميقة حول ممارساتٍ تُقدَّم في الإعلام الغربي بوصفها “نموذج حكم ديمقراطي”.
في المقابل، استُخدمت حوادث فردية في مناطق الحكومة كأدواتٍ دعائية مكثفة. فيديو “جدولة الشعر” الذي ظهر فيه شخص يتباهى بتصرف مشين هو فعل مُدان أخلاقياً. وكذلك المشاهد التي جرى تداولها عن قناصة أُطلقت جثثهم من السطح، والتي أثارت تعاطفاً واسعاً. لكن السؤال الذي لا يُطرح: ماذا كانت قسد ستفعل بأشخاصٍ مسلحين، رجالاً كانوا أم نساء، يشاركون في القتال؟ هل كانت ستُقدَّم لهم باقات ورد مثلاً؟ أم أنّ المعايير الأخلاقية تتغير بحسب الجهة التي تمسك بالكاميرا؟
العدالة تقتضي القول إنّ هناك أيضاً تصرفات صدرت من أفراد محسوبين على جانب الحكومة لا تمثلها كدولة، مثل حادثة تخريب قبور شهداء قاتلوا تنظيم داعش. هذه أفعال مدانة، ويجب محاسبة مرتكبيها، لأنّها لا تعكس موقفاً رسمياً ولا أخلاقياً، بل سلوكاً فردياً مرفوضاً.
الصورة الكاملة أكثر تعقيداً ممّا قدّمته الدعاية. ليست حرب “كرد ضدّ دولة”، ولا صراع “حرية ضدّ استبداد” كما يُروَّج. هي مواجهة بين مشروع دولة يسعى بوسائله الخشنة أحياناً إلى استعادة السيادة، وبين كيانٍ مسلح احتكر التمثيل، واستثمر المظلومية، وأدار ثروة هائلة دون أن يبني مجتمعاً.
ومن حقّ القارئ، قبل أن يتعاطف، أن يسأل: من استفاد؟ ومن دفع الثمن؟ ومن يملك حقّ تمثيل الناس؟


