تأملات

الابتلاء .. ولادةٌ جديدة

يناير 26, 2026

الابتلاء .. ولادةٌ جديدة

لماذا كان الابتلاء في الدنيا؟
كي يتذكر الإنسان دائماً أنَّ الحوادث في حياته لا تحدث حسب مزاجه، ومثلما يهوى، وأنّ عليه دائماً أنْ يستشعرَ نفاذ أمر الله في الأشياء لا أمره، يأتي الابتلاء للمرء لكي يقول له: انتبهْ، هذه رسالةُ الله لك، ليس لكي تحزن، بل لكي تنطلق من جديد، لكن عليكَ أن تمسحَ الغبارَ عن عين قلبك، وترى طريقك الجديدة.
في بطن الحوت كانت ولادة جديدة لسيدنا يونس عليه السلام، إذ أشرقت في روحه أنوار ذكر نحبه كثيراً، ونردده لرفع الكرب، “لا إله إلا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين”.
في غيابات السجن، كانت ولادة جديدة لسيدنا يوسف، وتمكينًا له في العلوم اللّدنية من تفسير الأحلام وغيرها إلى التمكين في الأرض ليصبح عزيز مصر.
بعد استشهاد أولاد السيدة زينب وشقيقها الحسين وأولاده رضي الله عنهم كانت ولادة جديدة للسيدة زينب، ولادة عظيمة لمقامها العالي وروحها النورانية.
إذا لم تستطع أن تبصر هذه الولادة الجديدة في حياتك بعد الابتلاء، فأنت محجوب جدًّا، إذا تركت نفسك لوساوس الشيطان الذي يدخلك في دائرة ( لماذا حدث معي هذا الأمر، أنا لا أستحق كلّ هذا)، أنت شخص غارق في الغفلة للأسف، لأنّ الله عزّ وجلّ أجاب على هذا منذ زمن طويل حين قال “لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ”، ومَنْ قدّرَ الله حقّ قدره، أدرك ما معنى أن يكون الله هو (الحكيم)، كيف للحكيمِ ألا يقدّر كل قدرٍ عليك بحكمةٍ دقيقة، حاشاه، نعم لقد خسرت وظيفتك لحكمة قدّرها الله عزوجل، وليس خبط عشواء، فقدتَ ابنك أيضا لحكمة، غدرَ بك صديقك الذي كنت تظنّه وفيّاً، أيضاً لحكمة، رُفِضْتَ في التخصص الفلاني الذي هو حلم حياتك، أيضاً لحكمة.
إدراكك لمعنى اسم الله (الحكيم) ينقذك من كلّ تساؤل يمكن أن يجتاح قلبك، ويعيث فساداً في عقلك، وكلّما استسلمت للرضا بتقدير الحكيم، كلّما اعترفت بجهلك.
أحب في قصة سيدي سلمان الفارسي، إصراره على معرفة الله عزّ وجلّ، وذلك أحدث خلافات مع والده المجوسي في بلاد فارس، لتبدأ رحلة مشقة طويلة وينتقل إلى الشام ويترك رفاهية أهله، إذا كان من الأغنياء، ثم يُباع كعبدٍ ليهودي، وينتقل ليثرب، ثم ليقابل سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، ويصبح من الصحابة المقربين، هذه الحياة المليئة بالابتلاءات كانت تهيّئ سيدنا سلمان لمقام (سلمان منا آل البيت).
لكن أين السرّ، في الابتلاء، أم صدق النيّة في الرضا عن الله في كلّ ما يفعل بك؟ بالتأكيد في الثانية، لأنّ هنالك من تجري عليهم يد القدر لكن يقابلونه بالسخط، وبالتالي لا تدخل نورانية الرضا أرواحهم وأجسادهم، فلا يدركون جمالية هذه ( الولادة الجديدة) في حياتهم، يظلّون يتخبطون في الشكّ وفي السخط، وبالتالي لا يستطيعون رؤية إلا الظلام، لا يستطيعون أن يستخرجوا شمسهم من بين كلّ تلك المصائب، يبقون في دائرة الأسئلة اللولبية والتي لها إجابة واحدة لكنّهم لا يريدون الاستسلام لها ” ذلك تقدير العزيز العليم”.
اختر أن يكون ابتلاؤك أيّاً كان (ولادةً جديدة) ولا تسمح له أن يغرقكَ في الظلام، فالله عزّ وجلّ يفتح لك طرقاً جديدة دائماً، لكنّه يريدك أن تفتح عيون قلبك لتراها.
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.

شارك

مقالات ذات صلة