مدونات

أنفاق قسد.. إرثٌ فوق الأرض

يناير 26, 2026

أنفاق قسد.. إرثٌ فوق الأرض

علي البرغوث

تشهد منطقة الجزيرة السورية اليوم نقاشاً متصاعداً حول إرث الأنفاق العسكرية، التي أنشأتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) خلال سنوات سيطرتها على شمال شرق البلاد، وهو إرث يتحوّل تدريجياً من أداة عسكرية تحت الأرض إلى ملفّ أمني وإنساني وسياسي فوق الأرض. هذا الملف، بما يحمله من تعقيدات ميدانية ورمزية، بات يفرض نفسه على أجندة الدولة السورية والفاعلين الإقليميين والدوليين، كما يثير قلق السكان الذين وجدوا أنفسهم يعيشون فعلياً فوق شبكة من الممرات السرية المجهولة في كثير من الأحيان.

 

أنفاق تحت الجغرافيا والسياسة

امتدت شبكة الأنفاق التي حفرتها قسد في قلب الرقعة الجغرافية الأهم في شمال شرق سوريا، حيث تتداخل الحقول النفطية مع المعابر الحدودية وخطوط النهر والبادية، وحيث تشكّل الحسكة والرقة وأجزاء من دير الزور عقدة جغرافية حساسة في الصراع السوري. لم تكن هذه الأنفاق مجرّد تحصينات تكتيكية معزولة، بل قامت على تصور كامل لـ”مدن تحت المدن”؛ بنية موازية للبنية الحضرية القائمة، تسمح بالحركة والتموضع والانسحاب بعيداً عن أعين المراقبة والاستهداف.

من الناحية السياسية، حمل هذا النمط من التحصين رسالة واضحة: تثبيت الحضور العسكري لقسد في منطقة تعتبرها دمشق جزءاً لا يتجزأ من السيادة الوطنية، وتراها أنقرة عمقاً أمنياً حساساً، وينظر إليها الفاعلون الدوليون بوصفها مساحة تنافس نفوذ. بهذا المعنى، تحوّلت الأنفاق إلى أحد أوجه الصراع على الجغرافيا، حيث تُرسم تحت الأرض خرائط موازية لما يُناقَش على الطاولات السياسية فوقها.

 

الاستخدامات العسكرية.. وقراءة في العقيدة القتالية

اختارت قسد نموذج حرب الأنفاق في بيئةٍ مفتوحة نسبياً، وهي بيئة تختلف عن المدن المحاصرة التقليدية، ما يكشف جانباً من تحوّل عقيدتها القتالية خلال سنوات الصراع. الأنفاق وفرت لها عدداً من المزايا:

– حماية نسبية من الاستهداف الجوي والمدفعي في ظلّ تفوق خصومها في هذا المجال.

– ممرات لإعادة الانتشار بين الأحياء والأرياف من دون الاضطرار إلى استخدام الطرق المكشوفة.

– نقاط قيادة وسيطرة تحت الأرض تضمن استمرارية التواصل بين الوحدات.

هذا النمط يعكس خبرة متراكمة في توظيف الميدان لصالح الطرف الأضعف تقنياً، ويقارب في جوانب منه تجارب سابقة في المنطقة اعتمدت حرب الأنفاق سلاحاً استراتيجياً وليس مجرّد وسيلة دفاعية. لكنّه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً عن مدى إدراك تبعات هذا الخيار على المدى البعيد، خصوصاً حين يتحول الميدان نفسه بعد سنوات إلى فضاء مدني يجب أن يعود إليه الاستقرار والحياة الطبيعية.

 

كلفة خفية على المدنيين والبنية التحتية

اليوم، مع تبدّل خرائط السيطرة وتقدّم الجيش السوري في أجزاء واسعة من الجزيرة، بدأت ملامح “الكلفة المؤجلة” لشبكات الأنفاق في الظهور. السكان الذين عاشوا لسنواتٍ في ظلّ المواجهات، يكتشفون أنّهم يعيشون أيضاً فوق فراغات ممتدة تحت منازلهم ومدارسهم وطرقهم. المخاوف هنا ليست نظرية؛ فمجرّد وجود ممرات وأنفاق غير موثقة بدقة يعني احتمالات لانهيارات موضعية، أو تسربات في التربة، أو أضرار متراكمة على أساسات المباني وشبكات الخدمات.

إضافة إلى ذلك، يفتح الغياب الجزئي للخرائط التفصيلية لهذه الشبكات الباب أمام هواجس أمنية حقيقية: ما الذي يضمن ألّا تُستَغل مقاطع غير مكتشفة في عمليات تهريب أو تحركات مسلحة أو نشاطات غير قانونية؟ وكيف يمكن لسلطة تحاول إعادة فرض القانون أن تُحكم سيطرتها على أرض تخفي تحتها طبقة ثانية من الممرات لا تخضع بالضرورة للإشراف الكامل؟ هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن الأسئلة العسكرية، لأنّها تمس جوهر إعادة تطبيع الحياة اليومية في منطقة أنهكتها الحرب.

 

الدولة السورية بين إرث تحت الأرض واستحقاقات فوقها

مع عودة وحدات الجيش السوري ومؤسسات الدولة إلى أجزاء من الجزيرة، يبرز تحدي التعامل مع الأنفاق بوصفه جزءاً من ملفٍّ أوسع: استعادة السيطرة وترميم العقد الاجتماعي في منطقة عاشت تجربة مختلفة أمنياً وإدارياً. من الناحية التقنية، تحتاج عملية معالجة هذا الإرث إلى:

– مسح هندسي وأمني شامل لرسم خرائط دقيقة للشبكات الموجودة.

– تصنيف المقاطع بين ما يمكن ردمه فوراً وما ينبغي تأمينه أو استثماره مؤقتاً لأغراض محددة (مثل ممرات خدمات أو مخازن تحت الأرض وفق معايير سلامة).

– إشراك المجتمعات المحلية في الإبلاغ عن المواقع المشتبه بها، بما يقلل من فجوة الثقة ويحوّل السكان من “متلقين للخطر” إلى شركاء في معالجته.

أمّا من الناحية السياسية، فإنّ طريقة تعامل دمشق مع هذا الملف ستُقرأ في الجزيرة وخارجها باعتبارها مؤشراً على شكل العلاقة المقبلة مع القوى المحلية ومع المكوّنات الاجتماعية التي ارتبط جزء منها بقسد خلال السنوات الماضية. مقاربة عقابية أو متسرعة قد تعمّق الانقسام، في حين أنّ مقاربة مدروسة تضع أمن المدنيين وكرامتهم في الصدارة يمكن أن تجعل من تفكيك الأنفاق بداية لمسار عكسي ينقل المنطقة من “التحصين” إلى “الانفتاح”.

 

من هندسة الحرب إلى هندسة السلم

جوهر الإشكال في أنفاق قسد لا يقتصر على موقعها أو امتدادها الجغرافي، بل يكمن في رمزيتها: إنّها تعبير ملموس عن مرحلة من الصراع اختارت فيها الأطراف أن تستثمر في هندسة الحرب بدل أن تستثمر في هندسة السلم. الأنفاق لا تُحفر في الجغرافيا فقط، بل في الوعي الجمعي أيضاً؛ فهي تكرّس منطق الخوف والتحصن والانكفاء، في حين تحتاج الجزيرة السورية اليوم إلى عكس ذلك تماماً: شفافية، وانفتاح، وشبكات فوق الأرض تربط القرى والمدن بالاقتصاد والخدمات، لا ممرات تحت الأرض تفصلها عن بعضها.

من هنا، قد يكون التحدي الأكبر أمام الدولة السورية والمجتمع الدولي والفاعلين المحليين هو تحويل هذا الإرث من عبءٍ إلى مناسبة لمراجعة أعمق: كيف يمكن بناء مقاربة أمنية لا تعيد إنتاج المنطق الذي قاد إلى حفر الأنفاق أصلاً؟ وكيف يمكن استبدال “مدن تحت المدن” بشبكةٍ من المؤسسات والخدمات والقوانين فوق الأرض يشعر معها السكان بأنّ الأمن لا يحتاج إلى تحصينات سرية، بل إلى عقد ثقة معلن؟

إذا نجحت المعالجة في الجمع بين الخبرة التقنية والجرأة السياسية والإنصات الحقيقي لمخاوف الناس، يمكن للجزيرة السورية أن تبدأ في طي صفحة الأنفاق كعنوانٍ للصراع، وتفتح بدلاً منها صفحة جديدة تُبنى فيها الجسور لا الممرات السرية، وتكون فيها الجغرافيا ساحة تعاون لا ساحة تحصين.

شارك

مقالات ذات صلة