مدونات

إنسانية مشروطة بالانتماء

يناير 26, 2026

إنسانية مشروطة بالانتماء

في الأيام الأخيرة، تصاعدت الأحداث في سوريا، ولا سيّما التصعيد العسكري بين الحكومة السورية وتنظيم قسد. لكن اللافت في هذا المشهد المتوتر لم يكن القتال بحدّ ذاته، بل الطريقة التي جرى بها التعامل مع الضحايا في الخطاب الإعلامي والسياسي.

بدا أنّ التعاطف لم يكن موجّهاً نحو الإنسان بوصفه إنساناً، بل نحو هوية بعينها، فيما جرى تجاهل ضحايا الطرف الآخر، أو تبرير مقتلهم، أو إسكات قصتهم بالكامل.

 فقد شهدنا موجة تضامن واسعة مع مقاتلة من قسد، على خلفية قصّ جديلة شعرها على يد أحد عناصر الجيش السوري، وجرى تقديم الحادثة بوصفها جريمة وانتهاكاً لجسد الضحية، في المقابل، لم يحظَ مقتل 22 مدنياً على يد عنصر من قسد والذي وثّق جريمته بنفسه متفاخراً بأي مستوى مماثل من الإدانة أو التعاطف.

وقبلها بأيام، رأينا كيف جرى التعاطف مع قنّاصة تابعة لـ”قسد” بعد أن أُلقي بجسدها من أحد الأبنية عقب مقتلها. نحن ضدّ التمثيل بالجثث بشكل مطلق، ولا ندافع عن أيّ فعلٍ خارج القانون. لكن المفارقة الصادمة كانت في تصوير هذه القنّاصة، المثبت تورطها في قتل مدنيين بينهم أطفال، كضحية بريئة، في حين لم يُلتفت إلى الأطفال الذين اعتقلتهم “قسد” لسنواتٍ في سجونها، ولا إلى المدنيين الذين سقطوا برصاصها.

هنا لا يعود التعاطف إنسانياً، ولا يكون الدفاع عن حقوق الإنسان مبدئياً، بل يتحوّل إلى ازدواجية معايير: ضحية تُقدَّس لأنها تشبهنا، وأخرى تُشيطَن لأنّها تختلف عنا، وإن كانت ميتة.

  

من الجزيرة إلى الساحل والسويداء

 هذه ليست المرة الأولى التي نرى فيها تمييزاً في التعاطف،  في آذار/ مارس الماضي نصب فلول النظام السابق كمائن محكمة لعناصر الأمن العام، استشهد فيها ما يقارب الـ500 عنصر، لم تستمر التغطية طويلاً، إذ سرعان ما تحوّلت دفة الإعلام ومواقع التواصل للحديث عن انتهاكات مارسها بعض عناصر الأمن ضد مدنيين من الطائفة العلوية.

 في السويداء أيضاً وخلال أيام سقط ما يزيد عن 200 شهيد من رجال وزارتي الداخلية والدفاع، كذلك كان هناك شهداء وجرحى من البدو والعشائر، لكن سرعان ما تمّ نسيانهم والتركيز على بعض الانتهاكات الحاصلة من طرف الأمن العام تجاه المدنيين الدروز.

في كلّ الحالات الحدث لم يكن من طرفٍ واحد، ومع ذلك بدا أنّ هناك من لا يريد أن تُرى إلا زاوية واحدة من المشهد ويتعامل مع الضحايا بازدواجيةٍ تجعل من بعض الموتى أبطالاً، ومن بعضهم الآخر “مجرمين حتى وهم قتلى”. 

مثلاً فيديوهات مثل حلق الشوارب وغيرها لاقت ترويجاً وتعاطفاً أكثر من الدم السائل وباصات التهجير والجثث المنتشرة بكلّ مكان.

لم يبرر أبناء الأكثرية السنية الانتهاكات، بل كانوا أول من طالب بالمحاسبة. وأول من رفع الصوت وانتقد الحكومة وطالب بفتح تحقيق.

لكن على الطرف الآخر رأينا أنّ الكثير تباكى على ضحايا يعتقد أنّها تشبهه، ولكن لم يرثِ ضحايا الأمن أو يذكر مدنيي البدو، فهل ننتصر للعدالة حقاً أم ننتصر فقط لمن يشبهنا؟

 

الإعلام شريك في هندسة الذاكرة

لا يمكن عزل هذه الظاهرة عن دور الإعلام العربي والدولي، الذي أدار الكاميرا حيث شاء، وسكت حيث أراد، وصنع الضحية وفق الهوية، لا وفق حجم الجريمة. فحين نشرت رويترز مثلاً تقريرها المطول عن مأساة الساحل السوري، جاء ذلك استجابة لحملة إعلامية ركزت على مجازر ذات طابع طائفي في مناطق العلويين، وهو جهد مهم وضروري.

وحين نشرت تقريراً عن مشفى السويداء، تحدثت فيه عن إعدامات ميدانية نفذتها قوى الأمن العام بحق أطباء ومرضى لأنهم دروز، تجاهل التقرير حقيقة أن غالبية الجثث داخل المشفى كانت لمدنيين دروز وبدو، إضافة إلى عناصر أمن قُتلوا بكمائن واغتيالات.

لم نقرأ تقارير مماثلة عن مجازر البدو في الجنوب، ولا عن العسكريين الذين أُعدموا علناً في السويداء، ولا عن باصات التهجير التي طالت بدو ومسيحيي المحافظة.

واليوم، تمتلئ التقارير بالحديث عن انتهاكات بحقّ الأكراد وترويج سردية مفادها أنّ الدولة السورية تريد القضاء على المكوّن الكردي، رغم أنّ الدولة أعلنت منذ اليوم الأول أنّ قسد لا تمثل الأكراد، وأنّ الشعب الكردي مكوّن أصيل لا يمكن استهدافه أو إقصاؤه وإلى اليوم لم يتمّ تثبيت جريمة واحدة فقط حصلت لأنّ صاحبها كردي.

في المقابل تُغفل الانتهاكات التي يرتكبها تنظيم قسد بحقّ مدنيين عرب وكرد على حدٍّ سواء، وكأنّها لا تستحق الذكر أو الإدانة، فلماذا تُعامل مليشيات مسلحة ارتكبت جرائم موثّقة، كأنّها حركات احتجاج شعبية، لا جهات انتهكت حقوق الإنسان والقانون الدولي؟

 

هل الضحية بحاجة إلى هوية سياسية؟

إنّ إحدى الكوارث التي ولّدتها الحرب السورية ليست فقط المجازر أو الدمار، بل انقسام الضمير العالمي في التعاطف والاهتمام، فحين تكون الضحية درزية أو مسيحية او علوية أو كردية، تكتب عنها الصحف الكبرى، وتُستدعى أمام مجلس الأمن، وحين تكون الضحية بدوية أو موظفاً حكومياً أو سنياً من الأكثرية السنية، يُطلب منك أن تتجاوز الأمر.

 من المؤسف أن تصبح قيمة الإنسان مرهونة بانتمائه ، لا بإنسانيته ، وأن تفرز الدماء كما تفرز الولاءات، لكن الحقيقة لا تُختصر بهوية طائفية أو موقع سياسي، فلا يمكن تصنيف القتلى إلى “جديرين بالرثاء” وآخرين “مستحقين للصمت”. فكلّ من مات خارج القانون، كل من هُجّر أو اختفى أو قُتل دون محاكمة، هو ضحية، مهما كان اسمه أو طائفته أو ولائه.

  

أيُّ عدالةٍ نبغي؟

القضية ليست درزية ضدّ بدو، أو علويين ضدّ سنة، أو أكراد ضد عرب ، بل هي مسألة مبادئ، كلّ ضحية بمفردها، سواء كانت درزية، بدوية، أو سنية أو أياً كانت، لها الحق في محاكمة عادلة، وتوثيق قضيتها، وإعادة كرامتها بعد الموت.

إنّ أخطر ما يمكن أن تخلّفه هذه المعايير المزدوجة هو توسيع الهوة بين السوريين أنفسهم، وجعل كلّ طرف يختار ضحاياه، ويُنكر ضحايا الطرف الآخر، وهو ما يقوّض أيّ إمكانية للمصالحة أو الحقيقة أو العدالة، مهما رُفعت شعاراتها.

 

 لا عدالة بدون عدالة للجميع

 نحن ضدّ كلّ انتهاك، وضدّ كلّ من يستغل السلطة لقتل المدنيين، لكنّنا أيضاً ضدّ الكيل بمكيالين، وضدّ اختزال القضايا الإنسانية بعدسة الهوية والطائفة. إذا كنّا نطالب بالعدالة، فلا بدّ أن تكون شاملة، تتسع لكلّ دم، وتدين كل قاتل، بغض النظر عن دينه أو خلفيته أو موقعه.

لا تُبنى المصالحات على طمس الحقائق، ولا تُبنى الدول على دماء غير معترف بها، لا نريد دماً يُبكى وآخر يُنسى، بل عدالة لا تميز.

شارك

مقالات ذات صلة