آراء
عندما نعود الى قراءة التاريخ الإسلامي في صراعاته الأولى، وخصوصًا مع العدو التقليدي وهم الجبهة القرشية، نجد أنّ هناك ثمّة أسبابًا إقتصادية دفعت القرشيين لرفض الدعوة المحمدية وليس لها علاقة بالدين أو البعد المعتقدي أو البعد الإيماني .
وفي بداية الأمر من الجدير أن نشير إلى أنّ الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت فضاءً اقتصاديًّا غير متوازن بل مضطرب أشد الإضطراب، فقد كانت مكة مركزًا تجاريًّا هامًّا يربط بين طرق التجارة الكبرى في الحجاز، لكنّها أيضًا كانت مجتمعًا تظهر فيه التفاوتات الواضحة في توزيع الثروة الاقتصادية، وعدم العدالة الاجتماعية، وفرض حرمان اقتصادي على طبقاتٍ أخرى داخل الوسط القرشي المكي.
فالعائلات الكبرى في قريش وبطونها الكبار التي تسيطر على التجارة، وتنظيم الإيلاف كانت تمتلك نفوذًا اقتصاديًّا يفوق بكثير ما يمتلكه الفقراء والموالي والمهمشون من قريش و غيرها، وكانت العلاقات الإنتاجية مرتبطة بالتجارة والقوافل، لكن فرص الرخاء لم تكن موزّعة بشكلٍ عادل، ممّا ولّد احتقانًا اجتماعيًّا متراكمًا بين طبقاتٍ متنوعة داخل المجتمع المكي القرشي، بل وحتى في المجتمع العربي الأوسع خارج مكة ، وهذه الخلفية تجعل من الدعوة إلى العدالة الاقتصادية، والتكافل الاجتماعي، والتحرّر من ربقة التفاوت الاقتصادي الطبقي أكثر من مجرد شعارات أخلاقية، بل استجابة عميقة لاحتياجات فكرية واجتماعية واقتصادية فعلية ستصادم لا محالة مصلحة أهل النفوذ من كبار قريش.
فاقتصاديًّا، لا يمكن تجاهل الدور المحوري للتجارة ، فالموقع الجغرافي للمراكز التجارية في الحجاز، وعلى رأسها مكة والطائف جعلها حلقة وصل بين حضاراتٍ متعددة ومراكز متنوعة لإنتاج الثروات، إلا أنّ هذا النظام التجاري، بقدر ما خلق فرصًا للمكاسب وبناء المصالح والمنافع، إلا أنّه فرض أيضًا تفوقًا لطبقة التجار الثرية على حساب الطبقات الأخرى، وخلق فجوة في القوة الاقتصادية بينهم، فحين جاءت الدعوة الإسلامية المحمدية باقتصادها العادل، حيث طرحت مبادئ تقييد الربا وطريقة الاستدانة المالية، والاهتمام بحقوق الفقراء والمساكين من توفير الفرص العادلة للاتجار، ودعت إلى الزكاة كمؤسّسةٍ اجتماعية لإعادة توزيع الثروة، فكانت مفاهيم شبه غريبة عن الواقع، بل كانت ردَّ فعل قويًا اقتصاديًّا اجتماعيًّا على تفاوت اقتصادي و مالي صارخ في مكة .
وإضافة إلى ما سبق، يمكن للناظر من القراء أن يستلهم من هذه الأخبار والمعطيات السابقة فكرة محورية أنّ عدم الاستقرار الاقتصادي يولّد فراغًا تستثمره الأفكار الكبرى، فالقبيلة المتصارعة المفككة اقتصاديًّا، وعدم وجود سلطة مركزية ترعى مصالح الأقليات اقتصاديًّا، يفتحان المجال للأطروحات التي تعد بتنظيم اقتصادي جديد ينتج أمنًا اجتماعيًّا وتقاسمًا أكثر عدالة للموارد والالتزامات المالية ، ومن هنا، تتحوّل الدعوة الدينية الجديدة المتمثلة بالإسلام إلى بديلٍ تنظيمي يعيد إنتاج التماسك الاجتماعي للمكيين، لا مجرّد دعوةٍ لطيّ صفحة ما قبلها من ممارسات غير عادلة .
لذلك، يمكننا القول أنّ الدعوة الإسلامية الأولى لم تكن ردّةَ فعلٍ روحية معزولة عن متطلبات المجتمع الاقتصادية الذي انطلقت فيه، بل كانت تعبيرًا عن ردة فعل بنائية تستجيب لأزمات حقيقية في التوزيع الاقتصادي، والهيكل الاجتماعي، والبحث عن معنى جديد للانتماء والتعاون المبني على العدالة.



