سياسة
صُدمت المدينة ومَن تابع المشهد من الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت فور تحرير سجن الأقطان بالرقة. وجوه أطفال ومراهقين، عيونهم تحكي سنوات من الاحتجاز والخوف، وجدران السجن المتهالكة تشهد على ظلمٍ طال جيلاً كاملاً، كلّها عناصر صادمة تصفع أيّ سردية حاولت “قسد” تسويقها طوال أعوام سيطرتها الثمانية. أمّا العالم كلّه، فصُدم بما شاهده، لكن أهالي الرقة والجزيرة لم يواجهوا الصدمة بنفس شدتها، فقد كانوا معتادين على مواجهة انتهاكات “قسد” بشكلٍ يومي ومتواصل طوال 8 سنوات من سيطرتها، وقبلها 4 سنوات تحت سطوة تنظيم “داعش” الذي لم يقل قسوة وإجراماً عنها. ومع ذلك، كانت فرحتهم بخروج أطفالهم وأبنائهم لحظة استطاعت أن تنسّيهم جزءاً من أوجاعهم ومآسيهم، ولو لوقت وجيز.
في مقاطع الفيديو، يظهر الأطفال وهم يخرجون من السجن، بعضهم بالكاد تجاوز عمره 12، محمّلين بأعباء لا طاقة لهم بها. صرخاتهم عند لحظة الإفراج تختلط بدموع الأهالي، وتكشف زيف الخطاب الذي روّجته “قسد” عن حماية المرأة والطفل وحقّ المجتمع في الأمن والاستقرار.
وفي مشهد آخر، يجمع بين الطرافة والمأساة في الوقت نفسه، خرج أحد الأطفال المعتقلين، ليكشف ببراءته عن الفوضى الداخلية في السجن وغياب أيّ أساسٍ قانوني للاحتجاز. قال الطفل ببساطةٍ وبراءة: “تمّ اعتقالي بطلبٍ من خالي الذي عرف أنّي أحب ابنته”. الضحك الذي ارتسم على وجهه ووجوه البعض لم يستطع أن يخفي صدمة الحقيقة: طفل محتجز بسبب نزوة عائلية، في سجن يفترض ألا يكون مأوى للأطفال وساحة لتصفية الحسابات الشخصية.
يقدّر عدد السجناء في سجن الأقطان بنحو 1100 أو أكثر، محتجزين بتهمٍ متباينة، تتراوح بين إعجابٍ بمنشور على وسائل التواصل، أو وضع صورة علم سوريا كخلفية لهواتفهم، أو الانتماء للجيش الحر، أو حتى الانتماء لتنظيم “داعش”، بالإضافة إلى سجناء متورطين في جرائم جنائية مختلفة. ومع ذلك، بلغ عدد الأطفال المحرّرين في الدفعة الأولى 126 طفلاً، كلّهم دون السن القانوني، تتراوح أعمارهم بين 10 و12 سنة، وهو رقم يفضح حجم الانتهاك الذي مارسته “قسد” بحق أصغر فئات المجتمع.
سجن الأقطان، الذي دخل في مفاوضات استمرت 6 أيام منذ 18 كانون الثاني/ يناير، كان آخر معاقل “قسد” في الرقة قبل انهيار سيطرتها. ما تكشّف أمام الكاميرات لم يكن مجرّد مشهدٍ إنساني مؤلم، بل دليل على سنوات من التضليل والإدارة القمعية، حاولت “قسد” عبر خطابها أن تصنع لنفسها صورة حامية للمدنيين، لكنّها في الواقع حكمت بالإرهاب والاحتجاز.
ما شهدته الرقة لم يكن مجرّد تحرير سجن، بل انهيار سردية كاملة لطالما حاولت “قسد” تسويقها. السجن الذي استُخدم لإرهاب السكان طوال سنوات أصبح رمزاً للوجع الذي حاولت طمسه إعلامياً، لكنّه ظهر جلياً في لحظة خروج الأطفال من زنزاناتهم. مع انهيار سيطرتها، تكشّف الوجه الحقيقي للقمع، وجاءت الصور ومقاطع الفيديو لتوثّق الانتهاكات على الأرض، بعيداً عن البيانات الرسمية والدعاية المزيفة. تحرير الأقطان يرسل رسالة واضحة: القوة المبنية على الخوف والاحتجاز لا تدوم، والواقع الذي يكشفه الأطفال المحررون، والدموع التي تملأ وجوههم، لا يمكن تزويره، ولا تستطيع أيّ سلطةٍ حجب ضوء الحقيقة عنه.
وبعناية، هذا غيض من فيض من سلسلة انتهاكات قامت بها “قسد” في الرقة ومناطق سيطرتها في الجزيرة السورية. شمل الأمر دعم تجار المخدرات والتغاضي عن نشاطهم، ممّا أسهم في انتشار المخدرات بين جميع فئات المجتمع، وخصوصاً الشباب في سن المراهقة، وارتفاع نسبة الجريمة في المنطقة نتيجة الإدمان، إذ اضطر بعض المتعاطين للقيام بعمليات سلب ونهب لتأمين ثمن الجرعة المخدرة، بدءاً من أهاليهم وجيرانهم، وصولاً إلى المحال التجارية، مع فرض إتاوات وغرامات غير قانونية على التجار.
لم يكن مشهد تحرير سجن الأقطان محض صدفة، أو حدثاً معزولاً عن سياق وقائع سبقته. فمع تقدّم الجيش السوري نحو الريف الغربي للرقة، بدأت الحركة الشعبية تتنامى تدريجياً، إذ أطلقت المجتمعات المحلية في القرى والبلدات التابعة للرقة ودير الزور مبادرات مدنية، امتدت تدريجياً نحو المدينة، متأثرة بالمستجدات العسكرية والسياسية، ما شكّل ضغطاً متزايداً على “قسد” وأفضى في النهاية إلى انهيار سيطرتها على الرقة وكشف هشاشة سلطتها على الأرض.
في المقابل، سارعت “قسد” إلى نقل عوائل عناصرها وإخلاء مقراتها الأمنية والعسكرية، في مؤشر على تراجع قدرتها على الحفاظ على سيطرتها أمام الزخم المتصاعد. حاولت المماطلة، لكنّها اصطدمت بضغطٍ شعبي وسياسي غير مسبوق، إلى جانب رفض متزايد لسياسات الإدارة الذاتية، ما حدّ بشكلٍ كبير من هامش تحركها. ورغم بعض محاولات المقاومة المحدودة، مثل إقامة تحصينات جزئية وتدمير الجسرين الرئيسيين الرابطين بين ضفتي نهر الفرات، فقد كشف الانهيار السريع لمنظومة القرار هشاشة سلطتها السابقة على الأرض.
في 18 كانون الثاني/ يناير 2026، تمّ توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و”قسد”، تضمن وقفاً فورياً وشاملاً لإطلاق النار على جميع الجبهات ونقاط التماس، بالتوازي مع انسحاب تشكيلات “قسد” إلى شرق الفرات. وأكد بيان الرئاسة أنّ الاتفاق يشمل تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً بالكامل، بما في ذلك المؤسسات والمنشآت المدنية.
اليوم، الرقة أمام فرصة لتصحيح التاريخ، لتسليط الضوء على من دمروا حياة أجيال، ولتذكير العالم بأنّ الصور والفيديوهات تحمل الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، وأنّ القوة المبنية على القمع والخوف لا تصمد أمام إرادة الناس وحقّهم في الحياة والعدالة.
سجن الأقطان يجب أن يكون درساً تاريخياً ورسالة واضحة: إنّه يفضح كذب الادعاءات التي روّجتها “قسد” طيلة السنوات الماضية، حول كونها حاضنة للديمقراطية وحقوق المرأة وحقوق الطفل، ويفضح التمييز الذي مارسته بين الكرد والعرب، لصالح خطاب مغلف بالمصالح السياسية والإعلامية. انهيار السيطرة على الرقة وسقوط آخر معاقلها يضع الكرد السوريين أمام مسؤولية تاريخية في الوقوف ضدّ هذا السرد الزائف، وعدم السماح لـ “قسد” بالمتاجرة بالحقوق والإنجازات الوهمية بعد انسحابها إلى المناطق التي كانت تعتبرها حاضنتها الاجتماعية.
بهذا المعنى، تحرير الأطفال من سجن الأقطان ليس مجرّد حدثٍ إنساني مؤلم، بل بداية لإعادة ترتيب الوعي المجتمعي، وإسقاط رواية القوة المبنية على القمع، وفتح المجال أمام إعادة الاعتبار للحقوق الحقيقية، بعيداً عن الدعاية المزيفة والسلطة القائمة على الخوف.


