سياسة
خلال الأسابيع الأولى من كانون الثاني/ يناير 2026، استعادت القوات الحكومية السورية السيطرة على مساحاتٍ واسعة من منطقة الجزيرة السورية، كانت خاضعة لسنواتٍ لسيطرة مليشيا قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
وجاءت هذه التطورات عقب إخلال قسد بالاتفاقيات الموقعة مع الحكومة السورية، والتي نصّت على دمجها ضمن الجيش السوري وتسليم مناطق سيطرتها تدريجياً إلى مؤسسات الدولة. ومع تعثر تنفيذ تلك التفاهمات، اضطرت الحكومة السورية إلى إطلاق عملية عسكرية، اعتقد كثيرٌ من المحللين أنّها ستستغرق أشهراً طويلة، في ظلّ التقديرات المبالغ فيها لقوة قسد، والرهان على ضغط أمريكي يمنع أيّ تحركٍ عسكري واسع ضدها.
إلا أنّ العملية التي نفذها الجيش السوري جاءت خاطفة وحاسمة، مدعومة بتقدم ميداني سريع، أسفر خلال فترةٍ وجيزة عن استعادة السيطرة الكاملة على محافظة الرقة، وريف حلب الشرقي، ودير الزور، إضافة إلى أجزاءٍ واسعة من ريف الحسكة، في مشهد خالف بشكلٍ جذري معظم التوقعات والتحليلات السابقة.
ويعود هذا الحسم السريع إلى مجموعةٍ من العوامل المتداخلة، في مقدمتها التكتيك العسكري الذي اعتمده الجيش السوري، ولا سيّما فتح عدة محاور هجومية متزامنة في ريف حلب الشرقي وريف الرقة، ما أدى إلى تشتيت قدرات قسد وإرباك خطوط دفاعها. كما أدت حالة الغليان الشعبي واحتجاجات الأهالي في الرقة ودير الزور دوراً محورياً، حيث شهدت تلك المناطق تحركات مدنية واسعة ضد وجود قسد، بعد سنواتٍ من المعاناة من سياساتها القمعية وممارساتها التي وُصفت بالظلم والتهميش.
إلى جانب ذلك، شكّل التحوُّل الواضح في السياسة الأمريكية عاملاً حاسماً في مسار الأحداث، وهو تحوّل ساهمت إسرائيل بدورٍ مؤثر في رسم ملامحه على المستوى الإقليمي، عبر الدفع نحو التخلي عن قسد واعتبارها أداة مرحلية انتهى دورها. فقد باتت واشنطن تنظر إلى الدولة السورية، بما تحمله من شرعيةٍ دولية وإقليمية ومحلية، بوصفها الحليف الأكثر قدرة على إدارة المرحلة الجديدة وترتيبات الاستقرار، الأمر الذي أسقط عملياً أيّ غطاء سياسي أو عسكري كان يوفر لقسد هامش المناورة سابقاً.
لم يكن التساؤل عمّا إذا كانت الولايات المتحدة قد “باعت” قسد سوى نتيجة منطقية لمسار طويل من التحوّلات السياسية، أكثر منه مفاجأة أو انقلاباً غير متوقع في المواقف. فالمصطلح، على قسوته الظاهرية، يعبّر بدقة عن طبيعة العلاقات التي تحكم السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث لا مكان لتحالفاتٍ دائمة، بل لأدواتٍ مرحلية تُستخدم وفق الحاجة، ثمّ يُعاد ترتيبها أو التخلي عنها فور انتهاء دورها الوظيفي.
وقد يبدو الحديث عن “بيع قسد” مبالغة لغوية للوهلة الأولى، لكنّه يتحول إلى توصيفٍ واقعي عند قراءة الوقائع بعيداً عن الخطاب العاطفي. فالتحوّلات التي طرأت على السياسة الأمريكية تجاه قسد خلال الأشهر الأخيرة لم تكن طارئة أو ارتجالية، بل جاءت تتويجاً لمسارٍ بدأ منذ اللحظة التي انتهى فيها الدور الذي أُنشئت هذه القوة من أجله، والمتمثل في قتال تنظيم داعش مقابل الحصول على دعمٍ مالي وعسكري مباشر من واشنطن. وفي هذا السياق، تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قسد بوصفها قوة تؤدي وظيفة محددة لقاء هذا الدعم، وهو ما انعكس في خطابه المتكرر الذي شدد فيه على منطق “المصلحة مقابل الكلفة”، من دون أن يمنحها صفة الحليف الاستراتيجي طويل الأمد. كما ذهبت أوساط تحليلية أمريكية قريبة من التيار الترامبي إلى توصيف قسد باعتبارها قوة تقاتل وفق منطق الدفع والمنفعة، في تعبير يعكس جوهر الرؤية التي حكمت تعامل إدارة ترامب مع القوى المحلية في المنطقة.
في هذا الإطار، لم يكن تصريح المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، بأنّ “دور قسد كمقاتل رئيسي ضد داعش قد انتهى” مجرّد توصيف عابر للمرحلة، بل إعلاناً عملياً عن نهاية العقد غير المكتوب الذي ربط الطرفين لسنوات. فالعلاقة بين واشنطن وقسد لم تُبنَ يوماً على مشروعٍ سياسي متكامل، ولا على رؤية تهدف إلى إنشاء كيان مستقر في “شمال شرق سوريا” كما تحب قسد أن تسميه، بل اقتصرت على مهمةٍ أمنية محددة بزمانها وسقفها.
ومع تراجع خطر داعش ميدانياً، وانتقال ملفات حساسة، مثل إدارة المعتقلين والمخيمات، وفي مقدمتها مخيم الهول، إلى ترتيباتٍ جديدة، بات واضحاً أنّ قسد فقدت قيمتها الاستراتيجية الأساسية في الحسابات الأمريكية. وجاءت خطوة الولايات المتحدة بنقل آلاف من معتقلي التنظيم من شمال شرق سوريا إلى العراق، بعد انسحاب قسد من إدارة السجون والمخيمات، لتشكّل دليلاً إضافياً على أنّ واشنطن لم تعد ترى في هذه المليشيا شريكاً لا غنى عنه، بل عبئاً سياسياً وأمنياً يمكن الاستغناء عنه مع تغيّر الأولويات. والانتقال في موازاة ذلك، إلى رسم واشنطن لخريطة شراكة مع الدولة السورية، جاء ذلك بإعلان السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة دعم بلادها للحكومة السورية الجديدة في دمشق، واعتبارها شريكاً في تحقيق الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات، والذي لم يكن مجرّد تغيير في اللهجة الدبلوماسية، بل تحوّلاً في مركز الثقل السياسي.
انتقال الدعم السياسي، ولو تدريجياً، من كيانٍ غير دولاتي مثل قسد إلى دولة ذات سيادة وشرعية دولية وإقليمية، يعني عملياً أنّ واشنطن أنهت الرهان على قسد، وبدأت البحث عن شريكٍ قادر على إدارة الأرض والمؤسسات والملفات الأمنية الحساسة، وفي مقدمتها ملفّ معتقلي داعش. في هذا السياق، تصبح قسد عبئاً سياسياً أكثر منها ورقة رابحة.
في خضم هذه التحوّلات، برزت تساؤلات متعددة حول دور إسرائيل في هذا الملفّ. ورغم عدم وجود تحالف رسمي أو معلن بين واشنطن وتل أبيب يستهدف إسقاط قسد، فإنّ الموقف الإسرائيلي يعكس بوضوحٍ أولوية ثابتة لا تحيد عنها السياسات الإسرائيلية: أمن الحدود.
وبينما صدرت بعض التصريحات عن مسؤولين إسرائيليين من الصفين الثاني والثالث عبّرت عن قلقٍ إزاء العمليات العسكرية التي نفذها الجيش السوري ضد قسد، فإنّ هذه المواقف بقيت محدودة التأثير، وغير مركزية، وخالية من لهجةٍ تصعيدية حادة. ويمكن قراءة هذه التصريحات في إطار السلوك التقليدي لإسرائيل، الذي يهدف في كثيرٍ من الأحيان إلى حفظ ماء الوجه السياسي، وإظهار الحضور الإعلامي والتدخلي في قضايا الإقليم، أكثر ممّا يعكس توجهاً عملياً أو رغبة حقيقية في تغيير مسار الأحداث.
في المقابل، تشير القراءة الأعمق للمشهد إلى أنّ إسرائيل، كما هو الحال في مقاربتها الحالية للملف اللبناني، باتت ترى في وجود مليشيات ما دون الدولة عاملاً معقّداً يهدّد استقرار الحدود، بدلاً من كونه ورقة ضغط فعّالة. فالتجارب المتراكمة أظهرت أنّ الكيانات المسلحة غير المنضبطة مركزياً تزيد من احتمالات الفوضى والانفلات الأمني، وهو ما يتعارض مع المصلحة الإسرائيلية في حدود هادئة يمكن ضبطها عبر تفاهمات واضحة.
فعليه فإنّ الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه قسد لم يكن عسكرياً، بل سياسياً وتاريخياً. فقد تعاملت مع الدعم الأمريكي بوصفه ضمانة دائمة، لا أداة مؤقتة. تجاهلت تجارب قوى ومليشيات وجماعات كثيرة سبقتها، ودفعت ثمناً باهظاً لتحالفها مع واشنطن.
في فيتنام الجنوبية، تُرك الحلفاء المحليون يواجهون مصيرهم بعد انسحاب الولايات المتحدة. في العراق، جرى التخلي عن جيش المهدي ومجالس الصحوة بعد انتهاء دورها المرحلي. في أفغانستان، انهار جيش كامل بُني على مدى عقدين خلال أيام بعد الانسحاب الأمريكي. حتى في سوريا نفسها، تُركت فصائل معارضة مسلحة، دعمتها واشنطن سياسياً وعسكرياً، لتواجه مصيرها بعد تبدل الأولويات.
كلّ هذه الأمثلة كانت كافيةً لتدرك قسد أنّ الدعم الأمريكي ليس عقد زواج كاثوليكي، بل علاقة استخدام متبادل تنتهي بانتهاء الحاجة. ومع ذلك، اختارت المراهنة على الحماية الخارجية، بدل البحث عن تسوية داخلية واقعية مع الدولة السورية.
فما جرى لقسد يندرج ضمن ما يمكن تسميته “سوق النخاسة السياسية”، حيث تُباع القوى المحلية وتُشترى وفق الطلب، وتُسعّر قيمتها بمدى قدرتها على خدمة المصالح الكبرى. في هذا السوق، لا مكان للعواطف أو للوعود الأخلاقية، بل للحسابات الباردة. قسد لم تُبع لأنّها ضعيفة، بل لأنّها لم تعد مفيدة. وعندما فقدت وظيفتها، وجدت نفسها وحيدة، بلا غطاء سياسي ولا حماية عسكرية حقيقية. هذا المصير لم يكن قدراً محتوماً، بل نتيجة سوء قراءة للمشهد، وتجاهل للتاريخ القريب والبعيد.



