مدونات
الكاتبة: أمة الرحمن العفوري
في الجغرافيا التي تنهشها الحروب وتستنزفها النزاعات الممتدّة، لا يكمن الخطر الوجودي الأكبر في استمرار أزيز الرصاص أو دوي الانفجارات فحسب، بل في تحوُّل الصراع من حالةٍ طارئة تسعى الشعوب لتجاوزها إلى «حالة مُدارة» مستقرّة في لا استقرارها. في اليمن، يبدو أنّ المشهد قد انزلق إلى هذا المنزلق الخطير، حيث يُعاد ترتيب الأوراق في كلّ دورة صراع دون المساس بالجذور العميقة للأزمة. هكذا يتحوّل الزمن من وعاءٍ للبناء إلى أداةٍ سياسية للإنهاك، وتتحوّل الأزمات من معضلاتٍ تتطلّب حلولاً جذرية إلى «ملفات» يُكتفى باحتوائها وتبريدها كلّما اقتربت من نقطة الغليان.
إنّ ما يشهده اليمن اليوم، والذي يُقدَّم في المحافل الدولية والإقليمية بوصفه «تهدئة» أو «حواراً» أو «إعادة ترتيب للمشهد»، ليس في جوهره سوى محاولة متجدّدة لإدارة الصراع لا لإنهائه. إنّها سياسة «تسكين الألم» بدلاً من «استئصال الورم». في هذا السياق، تُستبدل الحقوق الجوهرية بالرموز الشكلية، وتُستدعى العناوين العريضة والفضفاضة لتغطية فراغ القرار السيادي، بينما تظلّ موازين القوى على الأرض تراوح مكانها، ويظلّ جوهر الأزمة، المتمثل في استعادة الدولة وهيبتها، مؤجلاً إلى أجلّ غير مسمّى.
معضلة الحليف وغياب القيادة
في تجارب الدول الخارجة من أتون الحروب، يبرز دور الحليف الإقليمي كعنصرٍ حاسم؛ فوجود حليف قوي يمكن أن يكون رافعة حقيقية لإعادة الإعمار وتثبيت أركان الدولة، شريطة أن تقابله في الداخل قيادة وطنية صادقة تمتلك مشروعاً واضحاً وإرادة مستقلة. في هذه الحالة المثالية، يتحوّل التحالف إلى دعمٍ استراتيجي لا وصاية، وإلى شراكة ندية لا تبعية مطلقة.
إلا أنّ المعضلة اليمنية لا تكمن في وجود الحليف بحد ذاته، بل في الفراغ القيادي الذي عجز عن توظيف هذا التحالف لصالح المشروع الوطني الجامع. إنّ غياب الرؤية الوطنية المستقلة جعل من التحالف مظلة للاستقطاب بدلاً من أن يكون محركاً للتحرير والبناء، ما أدى إلى ارتهان القرار وتشتت البوصلة.
تحت مظلة «الشرعية»، التي يُفترض أن تكون الرمز السيادي الموحد، تكاثرت الأحزاب والمكوّنات والتشكيلات العسكرية. لم يأتِ هذا التكاثر كتعبيرٍ عن تنوع سياسي صحي يثري التجربة الديمقراطية، بل جاء كتَشَظٍّ بنيوي في القرار والولاء. أصبح لكلّ طرفٍ خطابه الخاص، وسلاحه المنفصل، وحليفه الذي يأتمر بأمره، وكلّ ذلك يتحرّك من داخل الإطار الرسمي نفسه.
لقد تحوّلت الشرعية من مركز ثقل سيادي يجمع الشتات إلى غطاءٍ واسع تُدار تحته تناقضات صارخة لا تلتقي إلا في العداء اللفظي للخصم المشترك. في هذا المشهد السريالي، لم تعد الدولة هي صاحبة القرار النهائي، بل أصبحت مجرّد مساحة صراع بين قوى ومراكز نفوذ باتت، في كثيرٍ من الأحيان، أقوى من كيان الدولة الهشّ نفسه.
في هذا المناخ المشحون بالاستقطابات، تُصبح السياسة فعلاً بلا معنى، وتفقد الدولة هيبتها المعنوية والمادية. فحين يتعدّد السلاح داخل الإطار الرسمي، وتتشظى مراكز النفوذ المالي والعسكري، يُغلق المجال تماماً أمام بروز الشخصيات الوطنية المستقلة التي ترفض الارتهان؛ لا لأنّ اليمن عقيم عن إنجاب الوطنيين، بل لأنّ البيئة السياسية الحالية مصمّمة بطريقةٍ تطردهم أو تهمشهم.
المشهد اليمني اليوم لا يُكافئ الاستقلال في الرأي أو النزاهة في الموقف، بل يعاقبهما بشدة، وفي المقابل يُكافئ من يمتلك الحليف الأقوى والقدرة على المناورة بين المتناقضات، لا مَن يمتلك المشروع الأصدق والولاء الأنقى للتراب الوطني.
الرهان على الوعي لا على التدوير
وهنا تتجلّى بوضوحٍ ملامح سياسة «إدارة الصراع»؛ حيث تُفتح مسارات حوار بلا سقوف زمنية أو ضمانات حقيقية، وتُقدَّم مشاهد رمزية خادعة لطمأنة الشارع المنهك، ويُعاد تدوير الوجوه ذاتها التي كانت جزءاً من المشكلة، مع تغييرٍ طفيف في اللغة الدبلوماسية لا في المضمون السياسي. الهدف من كلّ ذلك ليس الوصول إلى حسمٍ ينهي المعاناة، بل منع الانفجار الكبير وإبقاء الأزمة داخل حدود «السيطرة» الإقليمية والدولية. إنّه استقرار هشّ، قائم على منطق التأجيل المستمر لا على منطق المعالجة الجذرية.
في ظلّ هذا الواقع المرير، يصبح التفكير في حلولٍ استثنائية وخارج الصندوق أمراً مفهوماً، بل ضرورة ملحة. إنّ إنقاذ ما يمكن إنقاذه يتطلّب تجاوز منطق المحاصصة والارتهان، والبحث عن صيغةٍ وطنية تعيد الاعتبار للإنسان اليمني الذي دفع أثماناً باهظة في حربٍ لم يقرّرها، وفي سلم لم يلمس نتائجه بعد. فالدولة ليست مجرّد علم ونشيد، بل عقد اجتماعي يحمي الحقوق ويصون الكرامة، وما لم يدرك اليمنيون أنّ استعادة دولتهم تبدأ من استعادة قرارهم، فسيظلون يدورون في حلقةٍ مفرغة من الصراعات المُدارة التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد.


