مدونات
يونس العيسى
لا أريد البحث في أصل مصطلح شوايا وما كُتب عنه كثيراً من ابن خلدون إلى عالم الاجتماع الألماني ماكس فون أوبنهايم وغيرهما، ولكن ينتشر بين كلّ فترة على صفحات التواصل الاجتماعي كتابات تزدري كلمة شوايا وتستخدمها كنوعٍ من الشتيمة، وتذكر أنّها صفة تلاصق شخوص غير المدنيين الذين لا يحترمون القوانين والجهلة وغير المتعلمين، ممّن يعيشون في شمال سوريا وشرق الجزيرة.
وعلى الصعيد الشخصي لا أستغرب النعت الذي يطلقه البعض على أهل تلك الديار، والذي ساهمت فيه على مدار سنوات من حكم نظام الأسد البائد وسائل إعلامه، وكذلك الصورة النمطية التي كانت سائدة في الدراما السورية عن واقع وحال الشوايا.
حتى إنّ بعض سكان المناطق الأخرى من سوريا ظلّوا وما زال بعضهم يعتقد أنّ سكان شرق حلب ومحافظات الرقة ودير الزور والحسكة يعيشون في الخيام، ويرعون الأغنام ويأكلون ما تنتج فقط من لبن وحليب ويلبسون صوفها، وهذا الجهل المتوارث كان الإعلام شريكاً به إذ لا يظهر الصورة الحقيقة والسمات الشخصية لأهل تلك البلاد وخيرات وغلات أرضها التي تجود بها على كلّ سوريا.
في حين أنّ المشكلة الأساسية في تغييب المحافظات الشمالية والشرقية، ليس بسبب بعدها أو عادات سكانها وطباعهم وزيهم وفلكلورهم، إنّما بسبب الإهمال الذي مورس عليها والنظر إليها كبرميل نفط، ووردة قطن، وكيس قمح، مقارنة بغيرها من المحافظات الأخرى، وكأنّها محافظات درجة ثانية، وهذا ما كنا نجده من خلال قرارت التعيين الوظيفي، بكتابة “يعين بالمناطق النائية”، وكذلك في الإعلام الرسمي والذي بدوره انعكس على مخيلة الشعب السوري وطبع صورة سيئة عن سكان تلك المناطق.
هذه الصورة المشوهة عن الشوايا احتلت موقعاً في الوعي الجمعي لدى سكان المناطق الأخرى، إذ تتراكم حولهم صور أدبية وثقافية وفنية جعلت من جغرافيتهم ونمطية شخصيتهم مسرحاً لسجالات بين الاتهام والانبهار، فصورت بيئتهم على أنّها نموذج للحرية المطلقة والانفلات من قيود المدنية، وبيئة قاسية لا تستطيع العيش بها إلا إذا كنت جلِداً مثل أهلها.
هذه الصورة القاسية والمنقوصة عن بيئة المنطقة شُكل إلى جوارها صور أخرى تضع الشاوي في خانة البعد عن الحداثة، وخارج دائرة التطور، ولا يستطيع العيش خارجها ولا يتكيف بالعيش في منطقة أخرى، تلك الصورة الثنائية بين البيئة وساكنيها تكشف عن قصورٍ في فهم ثقافة الشوايا وقيمهم الاجتماعية، وإسقاط معايير ذلك المجتمع وطريقته المستقلة في الحياة.
لكن بالمقابل لا يرى البعض بل ويتعامى عن النموذج الذي قدّمه الشوايا وكانوا على تماس مباشر مع كلّ التحوّلات السياسية والاجتماعية التي مرت على سوريا وتركت أثراً عميقاً على شكل حياتهم ومعنى الانتماء عندهم، في حين كان البعض ينظر للشوايا كصورةٍ من الخارج لا كفاعلين في بناء هويتهم باستمرار في مواجهة المتغيرات التي مرت عليهم، حيث واجه الشوايا سلسلة من التحوّلات التي طالت أرضهم وتعدد سلطات الأمر الواقع التي مرت عليها وطرق الكسب ووسائل العيش، ورغم ذلك، ظلوا قادرين على إعادة صياغة علاقتهم بالمكان من دون أن يفقدوا جوهرهم الأصلي.
فالهوية عند الشوايا ليست وثيقة رسمية فقط، بل ممارسة يومية تجدها في لهجتهم وزيهم وأشعارهم وأغانيهم ودبكاتهم، وفي أتراحهم وأفراحهم، والمعرفة الدقيقة بأنسابهم، ومع تغير الزمن لم تغب وتمحَ عناصر هويتهم، بل أُعيد صياغتها بما ينسجم مع الواقع الجديد، وأصبح رابط النسب والدم بينهم شبكة تضامن اجتماعي وثقافي، والأرض عندهم أكثر من ملكية، بل جزء من تاريخهم.
وفي سنوات الثورة السورية، تعرضت مناطقهم لظلمٍ كبير من تنظيم داعش والذي قتل الكثير منهم، إلى احتلالها من قبل تنظيم قسد والذي ما زال يمارس سياسة القهر على أهلها، ومن قبل ذلك التهميش التنموي والتجهيل المعرفي الذي مارسه نظام الأسد البائد، حيث كانت الهوية الشاوية تمر باختبار لكنّها أثبتت قدرة لافتة على البقاء ومع تغير أنماط الحياة والعمل، لم يتلاش شعور الشوايا بالانتماء، الذي يُرى في روح التمسك بالأرض.
المقارنة بين صورة الشاوي في عيون الآخرين وواقع مناطقهم ونمط عيشهم في الواقع الحاضر تكشف عن فجوة واضحة بين النظرة الخارجية والعمق الداخلي، فالبعض يرى في الشاوي حالة ماضوية تراثية لم تتغير شكلاً ومضموناً ومادة يتناولها الإعلام والدراما للتندر، بينما يرى الشاوي نفسه حاملاً لإرث يتجدد، ومسؤولاً عن حماية تاريخ يمتد عبر أجيال، وإنساناً يخوض معركة يومية للحفاظ على هويته في ظلّ سعي لمحوها بطريقةٍ مباشرة وغير مباشرة، وسط متغيرات كثيرة تشهدها الجغرافيا السورية، فالشاوي نموذج يعيد تعريف الانتماء، ويربط الماضي بالحاضر، ليبقى جزءاً أصيلاً من مكوّنات الشعب السوري.
يعيب البعض على الشوايا عدم تمدنهم وتحضرهم، وهناك خلط كبير بين المظهر والجوهر، في حين أنّ التمدن يشمل المظاهر الخارجية، بينما التحضر هو سلوك الإنسان تجاه الآخر ومعرفته بثقافته وعاداته، التمدن بأبسط تعريفاته هو انتقال من الريف إلى المدينة، وهو تغيير للمكان طلباً للعمل والرزق، وتوفر المواصلات والخدمات والتكنولوجيا، أيّ التمدن يشمل مظاهر الحياة دون جوهر من يعيشها.
بينما التحضر، يتجاوز الجغرافيا والمكان، ويصل إلى الجوهر والقيم والوعي والالتزام بالقانون والاحترام في التعامل، والسعي لنيل المعرفة والثقافة، وقبول الآخر المختلف بمظهره وشكله وعاداته ونمط عيشه وطريقة أكله، وبذلك نجد الفرق بين التمدن والتحضر، الأول يتعلق بالمكان والنمط، والثاني يتعلق بالإنسان فقط، فتجد من يعيش في المدينة متمدن بالشكل، لكن ثقافته وأسلوبه يفتقد لأبسط قواعد التحضر، وتجد العكس في بيئةٍ ريفية بعيدة عن المدنية، بينما ساكنها يحمل أعلى درجات التحضر.
ومن أبرز الشخصيات التي أنتجتها البيئة الشاوية على سبيل المثال لا الحصر، الدكتور عبد السلام العجيلي، والذي قال عنه الشاعر نزار قباني:” أروع حضري عرفته البادية، وأروع بدوي عرفته الحاضرة”، وكذلك الراحل فواز الساجر أبرز الوجوه المؤسسة للمسرح السوري، والذي سعى لتحويل خشبة المسرح من فضاء للفرجة إلى الوعي والتنوير ومنهجاً لتحرير الإنسان من اغترابه وجهله.
الخلاف بين ثقافة الشوايا وتقاليدهم وعاداتهم وبقية عادات المناطق الأخرى، يعكس تعقيد التكوين الاجتماعي وامتزاجه بطبقاتٍ من التمييز والإقصاء، هذا الصراع ليس جديداً بل عزّزه نظام الأسد على مدار سنوات حكمه، ويرتكز على بنية معرفية تشعر بالفوقية تنظر إلى الشاوي بوصفه “الآخر المتخلف والدوني”، وهو مفهوم كتب عنه المفكر إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق وأشار لتشكل هويات من خلال التباين مع الآخر المختلف.
وهذه النزعة الفوقية والإقصائية تعمل على إبراز تفوق المدن الحضرية وتهميش المجتمع القروي بجوانب متعددة، ما يُظهر التحيز القائم على الموقع الجغرافي، فأبناء الشوايا في القرى البعيدة ينظر إليهم كمتخلفين من أبناء المدن، ويرى الشاوي نفسه ضحية نظرة دونية لا تعترف بإنسانيته الكاملة.
هذا التباين بين أهل الريف والمدينة، سببه إهمال الريف، والاهتمام بمركز المدن وعدم التواصل الثقافي مع سكان الريف، ممّا ينتج عنه تباعداً بين السكان، ويُستبعد المختلف بدلاً من استيعابه، ويوصف بالمتخلف نتيجة اختلاف ثقافته وعاداته وتقاليده.
العلاقة بين أبناء المناطق التي يعيش فيها الشوايا وبين المناطق الأخرى بحاجةٍ إلى تصحيح الواقع الذي بداخله خلافات واضحة ومستترة، وأن يمد الريف بنفس الخدمات والاتصالات والتكنولوجيا الموجودة بالمدينة، والتعريف بثقافة وعادات وتقاليد كلّ مجتمع وبناء حالة من الاحترام المتبادل، ورفع حالة الوصايا القائمة على أنّ أهل المناطق الريفية قاصرون عن إدارة شؤونهم، وأنّ مناطقهم مجرّد بقرة حلوب نأخذ خيراتها ولا تُعطى سوى الفتات.


