مدونات

الجنوب.. بين وهم التهميش وواقع الإدارة الحكيمة

يناير 20, 2026

الجنوب.. بين وهم التهميش وواقع الإدارة الحكيمة

محمد العماري 

يشهد الجنوب السوري، وبالأخص محافظة درعا، مرحلةً دقيقة تتطلّب الصبر والوعي. فالوضع الحالي، رغم ما يحيط به من غموض، ليس مؤشراً على إهمال الدولة، بل هو نتيجة مباشرة لتعقيدات داخلية وضغوط خارجية تُدار بحذر، في ظلّ مرحلة انتقالية حساسة تمر بها البلاد.

ويجب الإشارة بوضوحٍ إلى أنّ جزءاً أساسياً من التوتر القائم اليوم في الجنوب السوري جاء بعد سقوط النظام البائد، وهو ما خلق قلقاً بالغاً لدى الاحتلال الإسرائيلي، لا سيّما فيما يتعلق بإمكانية إعادة فتح ملف الجولان السوري المحتل. هذا القلق دفع الاحتلال إلى التحرك سريعاً عبر استهداف البنى التحتية للمنشآت العسكرية وتدمير السلاح الثقيل في الفترة التي تلت السقوط، في محاولةٍ استباقية لمنع أيّ تغيّر في موازين القوى قد يشكّل تهديداً له في الجولان المحتل.

كما أشارت بعض الصحف والتقارير السياسية إلى وجود خلافات غير معلنة بين الدولة السورية والاحتلال الإسرائيلي حول مستقبل الجولان، وهو ما يفسّر جانباً كبيراً من الضغوط الإقليمية المفروضة على الجنوب. وفي هذا السياق، تعمل إسرائيل على ممارسة ضغط سياسي وأمني عبر توظيف بعض المكوّنات المحلية، وعلى رأسها الدروز وغيرهم، ليس بدافع الحماية أو الحرص، بل باعتبارهم أوراق ضغط مرحلية تُستخدم لتحقيق مكاسب تخدم المصالح الإسرائيلية. والتجارب السابقة تؤكد أنّ الاحتلال لا يرى في هذه الأطراف سوى أدوات مؤقتة، يتمّ التخلي عنها فور انتهاء دورها.

وفيما يخص الدروز تحديداً، لا بدّ من التذكير بحقيقةٍ يطمسها الخطاب الإسرائيلي اليوم. فعندما هاجم تنظيم داعش الريف الشرقي في محافظة السويداء عام 2018، وارتكب مجازر راح ضحيتها مئات المدنيين من أبناء الطائفة الدرزية، لم نشهد أيّ تدخل إسرائيلي لحمايتهم أو لمنع تلك الجرائم، رغم القرب الجغرافي ورغم الادعاءات المتكررة بحماية الأقليات. هذه حقيقة عايشها أهل المنطقة، وكنتُ شاهداً عليها في تلك الفترة، وهو ما يفضح التناقض الصارخ بين الصمت آنذاك والادعاءات الحالية بالحرص على الدروز، ويؤكد أنّ التحرك الإسرائيلي تحكمه المصالح السياسية والأمنية، لا الاعتبارات الإنسانية.

الجنوب جزء حساس من سوريا، بموقعه الاستراتيجي الذي يجعله محور اهتمام على المستويين الوطني والإقليمي. الحكومة السورية موجودة في مفاوضات دقيقة مع أطراف خارجية وداخلية، خصوصاً في ظل التوترات الحدودية، لضمان ألا تؤدي أي خطوة قادمة إلى تصعيد أو استغلال سياسي أو أمني للمنطقة.

ويجب التأكيد هنا على أنّ التأجيل في بعض الإجراءات، وإيقاف المشاريع الكبرى بشكلٍ مؤقت، لا يعني بأيّ حالٍ من الأحوال إهمال الجنوب أو تهميشه، بل هو قرار محسوب جاء انطلاقاً من حرص الدولة على تثبيت الاستقرار أولاً، وتهيئة بيئة آمنة تضمن سلامة الأهالي ومصالحهم، ومنع أيّ استغلال لهذه المشاريع أو تحويلها إلى أدوات ضغط أو توتر. فترسيخ الأمن اليوم هو الأساس لأيّ تنمية حقيقية ومستدامة في المرحلة القادمة.

الإشاعات التي تنتشر أحياناً حول التخلي عن الجنوب أو تهميشه تظهر عادة مع كلّ أزمةٍ أو توتر في أيّ منطقة سورية أخرى. هذه الإشاعات ليست عفوية، بل تُستخدم أداة ضغط نفسي وسياسي، هدفها تعميق القلق لدى الأهالي، وزعزعة الثقة بالدولة، وتشويه الواقع بما يخدم أجندات لا تمت لمصلحة الجنوب ولا لأهله بصلة.

الأهالي في الجنوب السوري مؤتمنون على دورهم الوطني. نحن، بأرضنا وجذورنا في درعا، مطالبون بأن نكون سداً منيعاً أمام أي محاولات للمساس بالوحدة الوطنية أو جرّ المنطقة إلى مشاريع التقسيم أو الفوضى، لأنّ الحفاظ على صمود الجنوب هو جزء لا يتجزأ من الحفاظ على سوريا كاملة.

شارك

مقالات ذات صلة