سياسة

من الحسم العسكري إلى التسوية المفروضة

يناير 19, 2026

من الحسم العسكري إلى التسوية المفروضة

لم يكن الاتفاق الذي وُقّع، يوم الأحد 18 كانون الثاني/ يناير 2026، بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، مجرّد تفاهم جديد يُضاف إلى سجل الاتفاقات غير المكتملة بين الطرفين، بل جاء بوصفه نقطة انعطاف حاسمة في مسار الصراع شمال وشرق سوريا، نقلت العلاقة من إدارة توتر مزمن إلى تسوية فُرضت بقوة الوقائع الميدانية بعد معارك واسعة انتهت بتقدّم حاسم للجيش العربي السوري.

الاتفاق، الذي نصّ على وقف شامل لإطلاق النار والاندماج الكامل، أنهى فعلياً مرحلة امتدت لسنواتٍ من الصدام العسكري والسياسي، وأعاد طرح سؤال الدولة والسيادة والموارد والتمثيل المحلي، ولكن هذه المرة من موقع تفوّق عسكري واضح لدمشق، وتحت غطاء سياسي أمريكي مباشر.

 

سياق مختلف: لماذا الآن؟

يأتي الاتفاق في سياقٍ ميداني وسياسي مختلف جذرياً عن اتفاق آذار/ مارس 2025، الذي وُقّع في دمشق وفشل لاحقاً في التطبيق. ففي حين بُني الاتفاق السابق على مبدأ التفاهم المتدرج وتقاسم النفوذ، جاء اتفاق كانون الثاني/ يناير 2026 نتيجة مباشرة لتغيّر ميزان القوى على الأرض. 

فخلال الأسابيع التي سبقت التوقيع، بسط الجيش العربي السوري سيطرته على مناطق استراتيجية كانت تُعدّ من أبرز معاقل “قسد”، أبرزها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، ومدن مسكنة ودير حافر ومطار الجراح العسكري في ريف حلب الشرقي، إضافة إلى مدينة الطبقة ومطارها العسكري وسد الفرات، وصولاً إلى مدينة الرقة بالكامل.

كما امتدت السيطرة العسكرية لتشمل كامل بادية الجزيرة في ريف دير الزور الغربي والشرقي والشمالي، ومدينة الشدادي وبلدات مركدة والبراك في ريف الحسكة الجنوبي، ما شكّل ضغطاً عسكرياً مباشراً أنهى عملياً قدرة “قسد” على المناورة أو فرض شروط تفاوضية كما في السابق.

 

بنود الاتفاق: وقف نار وإعادة انتشار

نصّت الاتفاقية على وقف فوري وشامل لإطلاق النار على جميع الجبهات ونقاط التماس، بالتوازي مع انسحاب كامل التشكيلات العسكرية التابعة لـ”قسد” إلى منطقة شرق الفرات، في خطوةٍ وُصفت بأنّها تمهيدية لإعادة الانتشار وفتح مسار الاندماج العسكري والأمني.

ويُفهم من هذا البند أنّ الانسحاب لا يعني إعادة تموضع مؤقت، بل تفكيكاً تدريجياً للبنية العسكرية المستقلة لقوات سوريا الديمقراطية، تمهيداً لإدماجها ضمن مؤسسات الدولة السورية وفق شروط تفرضها دمشق.

 

استعادة الإدارة: الرقة ودير الزور والحسكة

وبحسب بنود الاتفاق، تسلّمت الحكومة السورية فوراً محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً، بما يشمل المؤسسات الحكومية والمنشآت المدنية والخدمية، مع تثبيت الموظفين الحاليين ضمن الوزارات المختصة، في محاولة لتجنّب الفراغ الإداري أو الصدام المجتمعي.

 

كما تضمّن الاتفاق التزاماً رسمياً بعدم التعرض لموظفي ومقاتلي “قسد” أو كوادر الإدارة المدنية في المحافظتين، في رسالة تطمين تهدف إلى تسهيل الانتقال وتخفيف مخاوف الانتقام أو الإقصاء.

وفي محافظة الحسكة، نصّ الاتفاق على دمج المؤسسات المدنية بالكامل ضمن هياكل الدولة السورية، ما يعني إنهاء نموذج الإدارة الذاتية فعلياً، واستبداله بإدارة مركزية مع وعود بتمثيل محلي.

 

السيادة والموارد: النفط والمعابر تحت سلطة دمشق 

في الشق السيادي، أكد الاتفاق استلام الحكومة السورية كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في شمال وشرق البلاد، وتأمينها من قبل القوات النظامية، بما يضمن عودة الموارد الطبيعية إلى خزينة الدولة.

ويمثّل هذا البند أحد أهم التحوّلات في الاتفاق، إذ يعالج ملفاً لطالما شكّل جوهر الصراع بين دمشق و”قسد”، ومصدر قلق أساسي للولايات المتحدة، التي ركزت طوال السنوات الماضية على إدارة هذا الملف ضمن إطار مكافحة تنظيم “داعش”.

 

دمج عسكري وأمني بشروط الدولة

نصّت الاتفاقية على دمج عناصر “قسد” العسكرية والأمنية بشكلٍ فردي ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، بعد إخضاعهم لتدقيق أمني، ومنحهم الرتب والمستحقات وفق القوانين المعتمدة في مؤسسات الدولة.

ويعني هذا البند عملياً تفكيك البنية الجماعية لـ”قسد” وتحويلها من كيانٍ عسكري مستقل إلى أفراد مندمجين ضمن هرمية الدولة، مع تأكيد رسمي على حماية الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمناطق الكردية.

ترتيبات خاصة: كوباني وملف “داعش” 

في مدينة عين العرب/كوباني، نصّ الاتفاق على إخلائها من السلاح الثقيل، وتشكيل قوة أمنية من أبناء المدينة، مع الإبقاء على شرطة محلية تتبع إدارياً لوزارة الداخلية السورية، في صيغة تهدف إلى طمأنة السكان المحليين ومنع أيّ تصعيد إقليمي.

كما شمل الاتفاق دمج ملف سجون ومخيمات تنظيم “داعش” ضمن مؤسسات الدولة السورية، لتتولى دمشق المسؤولية القانونية والأمنية الكاملة عنها، وهو بند يحظى بأهمية خاصة لدى واشنطن، التي طالما اعتبرت هذا الملف أولوية استراتيجية.

 

ضمانات سياسية وحقوقية

أقرّ الاتفاق اعتماد قائمة قيادات مرشحة من “قسد” لشغل مناصب عليا عسكرية وأمنية ومدنية ضمن مؤسسات الدولة، في إطار ما وُصف بـ”الشراكة الوطنية”، مع إصدار مرسوم رئاسي بتعيين محافظ للحسكة بوصفه ضمانة للتمثيل المحلي.

كما رحّب الطرفان بالمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي يعترف بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية، ويعالج ملفات مكتومي القيد وحقوق الملكية المتراكمة، في خطوة تهدف إلى تفكيك أسباب التهميش التاريخي.

وفي بندٍ لافت، تعهدت “قسد” بإخراج جميع قيادات وعناصر “حزب العمال الكردستاني” (PKK) غير السوريين خارج البلاد، وهو مطلب طالما شكّل نقطة خلاف مركزية مع دمشق وأنقرة على حد سواء.

 

هل الاتفاق قابل للحياة؟

في حديثٍ لمنصة “سطور”، قدّم الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان قراءة متحفظة للاتفاق، معتبراًً أنّ “قسد ليست كياناً موحّداً ولا تمتلك قيادة مركزية قادرة على فرض القرار”.

ويرى علوان أنّ مظلوم عبدي “ليس الطرف الأكثر نفوذاً داخل قسد”، مرجّحاً أن يكون الاتفاق نتيجة ضغط إقليمي ودولي أكثر منه قراراً داخلياً، محذراً من أنّ التيار المتشدد المرتبط بحزب العمال الكردستاني قد يستغل وقف المعارك لإعادة ترتيب صفوفه وشن هجمات جديدة.

 

واشنطن: دعم واضح وتكريس للأمر الواقع

رحّبت الولايات المتحدة بالاتفاق، واعتبرته نقطة تحوّل سياسية تمهّد لبناء سوريا موحّدة. وقال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم براك إن الاتفاق يعكس انتقالاً من الصراع إلى الشراكة، مؤكدًا أنّ واشنطن “تقف بحزمٍ خلف هذه العملية”.

ويقرأ مراقبون هذا الموقف بوصفه غطاءً سياسياً دولياً لتسوية فُرضت بالقوة، وضماناً لمصالح واشنطن، وعلى رأسها ملفّ مكافحة تنظيم “داعش”.

 

تسوية ما بعد القوة

يمكن القول إنّ اتفاق كانون الثاني/ يناير 2026 ليس تسوية تفاوضية متوازنة، بل صيغة اندماج فرضها الحسم العسكري، مع محاولة تغليفها بضمانات سياسية وحقوقية لتفادي انفجار جديد.

وبذلك، يفتح الاتفاق صفحة جديدة في شمال وشرق سوريا، عنوانها عودة الدولة بشروط المركز، وسط اختبار حقيقي لقدرة الأطراف على الانتقال من منطق السلاح إلى منطق الدولة، ومن الصراع المفتوح إلى تسوية مستدامة.

شارك

مقالات ذات صلة