سياسة
محمد السكري
يشكّل المرسوم رقم (13) الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع تحوّلاً بنيوياً في مقاربة الدولة السورية لمسألة المكوّن الكردي، ليس بوصفه إجراءً قانونياً معزولاً، بل جزءاً من إعادة تعريف شاملة للعقد الاجتماعي والهوية الوطنية في سوريا ما بعد انتصار الثورة السورية. فهذا المرسوم لا يمكن قراءته فقط كاعترافٍ بحقوقٍ ثقافية أو لغوية، بل باعتباره كسراً صريحاً لإرثٍ طويل من الحصار الذي مارسه النظام السابق، تجاه الكرد بوصفهم مكوّناً إشكالياً، ليس شريكاً وطنياً.
ورغم الحضور التاريخي للكرد في المجال العام السوري، ومشاركتهم في مسارات النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، ثمّ في مرحلة الاستقلال وبناء الدولة، فإنّ الدولة السورية الحديثة لم تنتج يوماً اعترافاً دستورياً أو قانونياً واضحاً بهم كمكوّن أصيل، بل كان مجرّد الحديث عن تلك الحقوق بمثابة جرم تحاسب عليه الدولة الأمنية. وحتى الرموز الوطنية الجامعة، مثل محمد كرد علي، جرى استيعابها ضمن سردية قومية عربية أوسع، دون أن تنعكس هذه الرمزية على سياسات الاعتراف أو التمثيل. من هنا، فإنّ أهمية المرسوم تكمن في كونه أول خطوة رسمية تتجاوز منطق “الاندماج القسري” إلى منطق الاعتراف المواطني داخل الدولة.
وتتضاعف رمزية المرسوم إذا ما فُسّر في سياقه السياسي، ولا سيّما بعد سنوات من محاولات “قوات سورية الديمقراطية” تحويل القضية الكردية إلى ملفّ تفاوضي مستقل، مرتبط بموازين القوة العسكرية والدعم الدولي، أكثر ممّا هو مرتبط بإطارٍ وطني جامع وبحق مكوّن سوري أصيل. ففي هذا المعنى، لا يسحب المرسوم الشرعية من أيّ طرفٍ بعينه، بقدر ما يعيد تعريف مصدر الشرعية نفسه: من شرعية السلاح وتمثيل الأمر الواقع، إلى شرعية الدولة والقانون والمواطنة.
ويُعدّ الإقرار الصريح “بأنّ المكوّن الكردي جزءٌ أصيل من الشعب السوري” أهم ما جاء به المرسوم، لأنّه يترتب عليه انتقال جوهري من منطق “الحقوق المشروطة” إلى منطق “المواطنة الكاملة” ومن النضال لأجل هذه الحقوق عبر “السلاح والعنف” إلى النضال عبر “السياسة”. فالاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية، عبر اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، ودمجها في منظومة التعليم، إلى جانب اعتماد عيد النيروز عيداً وطنياً، لا يمثّل تنازلاً سياسياً، بل تصحيحاً تاريخياً لمسار الدولة. كما أنّ هذه الخطوات تعكس تحوّلاً في فهم الدولة لوظيفتها: من أداة صهر قسري للهويات، إلى إطارٍ جامع لتنظيم التعدّد الوطني.
وفي الأصل، كان فهم مشاركة المكوّن الكردي في الثورة السورية ليس فقط بوصفها فعلاً احتجاجياً ضدّ الاستبداد، بل محاولة لإعادة إدراج قضيته ضمن مشروع وطني أوسع بعيداً عن الانسلاخ عن سوريا وقبل أن تُستثمر هذه القضية من قوى عابرة غير وطنية، حيث يقوم هذا المشروع على المواطنة المتساوية لا على الهويات المتصارعة. وهو ما يفسّر التقاء الخطاب الكردي الثوري، في لحظات كثيرة، مع خطاب الحرية والكرامة والعدالة لقوى الثورة السورية، بعيداً عن الطروحات الانفصالية أو الفدرالية الصلبة.
كما يحمل المرسوم دلالة سياسية عميقة تتجاوز المسألة الكردية نفسها، إذ يشير إلى نهاية مرحلة استخدام المكوّنات الاجتماعية كأدواتٍ للاستقطاب السياسي أو الضبط الأمني. وهي سياسة اعتمدها نظام الأسد الأب والابن بوضوح، حين حوّل التنوع الاجتماعي إلى مصدر تهديد دائم، واستثمر في الصراعات المجتمعية لضمان استمرار الهيمنة، كما ظهر جلياً في أحداث القامشلي وعامودا عام 2004، التي شكّلت نموذجاً واضحاً لكيفية توظيف القمع والإقصاء في إدارة المسألة الكردية داخل الحدود الوطنية.
ولعلّ البعد الأكثر حساسية في المرسوم يتمثل في إلغائه القوانين والتدابير الدستورية الاستثنائية الناتجة عن إحصاء عام 1962، الذي شكّل أحد أدوات الاستخدام القانوني في تاريخ سورية الحديث. فهذا الإحصاء لم يكن مجرّد إجراء إداري، بل كان تعبيراً عن إرادة سياسية هدفت لهندسة التركيبة السكانية، في ظلّ تصاعد الأيديولوجيا القومية البعثية حينها قبل الانقلاب، ومنطق الدولة الأمنية. وبالتالي، فإنّ إلغاء آثاره يعالج مظلمة قانونية واجتماعية عميقة.
من هنا، يمكن القول إن المرسوم رقم (13) لا يقتصر على كونه اعترافاً بحقوق المكوّن الكردي، بل يؤسّس لمرحلةٍ جديدة في بناء الدولة السورية، تقوم على تفكيك إرث الاستبداد، وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، على أساس الاعتراف، والمواطنة، وسيادة القانون. وهو ما يجعل هذا المرسوم اختباراً حقيقياً لجدية التحوّل السياسي في سوريا، ومدى قدرته على إنتاج دولة وطنية جامعة، لا دولة هويات متنازعة.
وقد لا يشكّل هذا المرسوم شرخاً عميقاً داخل المجتمع الكردي، الذي يعاني من انقسامات حادة، داخل سوريا، لا سيّما في ظلّ الانتهاكات الكبيرة التي تعرّض لها، سواء خلال الثورة أو بعدها، لكن قد يشكّل خطوة هامة من أجل إعادة ترميم البيت الكردي ضمن إطاره السوري، وكبارقة أمل لإمكانية نبذ المشاريع التي تدعوا للانفصال عن سوريا. ففكرة الانفصال بحد ذاتها جاءت ردة فعل على تجريد المكوّن الكردي لحقوقه في سوريا، وبلا شك بجانب وجود رؤية لهوية متخيلة تقوم على الانفصال، هذه الهوية يزداد الاندفاع لها كلّما زاد العنف وانعدمت الحقوق، لذلك يفتح هذا المرسوم الباب على مصراعيه أمام المكوّن الكردي للانتقال إلى الفضاء السياسي الوطني كمساحة من أجل الدفاع عن الحقوق القانونية والدستورية عبر الأدوات السياسية والمؤسسية، لا عبر الاندفاع تجاه فصائل أمر واقع كقسد.
وبهذا المعنى، يمكن فهم المرسوم باعتباره خطوة مزدوجة الدلالة: من جهة، تجريد العنف غير الشرعي والقطع مع منطق عسكرة الحقوق، ومن جهةٍ أخرى، اعتراف صريح بالحقوق المواطنية، ودعوة مفتوحة للانخراط في العمل السياسي الوطني بوصفه المسار الوحيد المشروع لتثبيت الحقوق وبناء الدولة، وفتح المجال أمام ترميم العنف الماضي، والاستقطاب الاثني.
ولا شكّ أنّ استيعاب هذا القرار داخل أوساط المكوّن الكردي لن يكون سهلاً أو فورياً، غير أنّه سيفتح، بلا شك، نقاشاً واسعاً، حاداً، وطويلاً، في ظلّ تراكم سياسات معقّدة امتدّت لعقود. فقد دفعت قوات سوريا الديمقراطية، على مدى أكثر من عقد، باتجاه أَدلجة قطاعات واسعة من المجتمع، وفرضت أنماطاً قسرية من التنظيم، بما في ذلك التجنيد الإجباري، وهو ما خلق فجوة متزايدة بين المتطلبات الوطنية والمتطلبات الخاصة بالأدلجة والواقع الاجتماعي. في ظلّ استثمار واسع من تلك القوى، بتراكم سياسات إقصائية أخرى نتجت عن انتهاكات خلال المواجهات، كما في نموذج تغيير أسماء المناطق والمدارس في عفرين، وهي سياسات قابلتها خطوات مماثلة فعلتها قسد في المناطق العربية في الرقة ودير الزور. وقد أسهم هذا المسار المتبادل في تعميق الانقسام المجتمعي وتوسيع إنتاج الاستقطاب القومي، استكمالاً لنهج الأسد. ويُضاف إلى ذلك الإرث الأثقل، المتمثل في الحقبة الأسدية، حيث جرى فرض تعريف قسري لهويات المواطنين الكرد بوصفهم “عرباً”، في محاولة لإلغاء التعدد القومي والثقافي داخل المجتمع السوري.
لم تكن هذه السياسات سوى أدوات ممنهجة لتعزيز الاستقطاب، وإضعاف أيّ إمكانية لبناء هوية وطنية جامعة تقوم على الاعتراف والمواطنة المتساوية. ولهذا تأتي أهمية القرار من أجل معالجة كلّ هذه الآثار الماضية والمتراكمة، والتي من غير المتوقع أن تعالج بشكلٍ سريع، لكنّها خطوة أولى وأساسية على هذا الطريق.
من الناحية الأمنية، يأتي القرار بوصفه تجريداً سياسياً واضحاً للقوى التي تقاتل باسم تلك الحقوق وتفكيكاً بنيوياً لها، ودعوة صريحة لإلقاء السلاح والعودة إلى طاولة المفاوضات ضمن إطار سوريا الموحدة. ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في ظل تزايد استثمار “قسد” للملف الكردي أداة ضغط سياسي وتعبئة اجتماعية، يقابله تصاعد مقلق في وتيرة الاستقطاب القومي داخل المجتمع السوري، وهو استقطاب غذّته سنوات العنف وتراكم الأسد الثقافي، وأعاد إنتاج مقاربات هويّاتية تهدد السلم الأهلي ووحدة المجال الوطني.
والأهم أنّ هذا القرار لا يمكن فهمه فقط في حدود الاستجابة الظرفية أو المناورة السياسية، بل باعتباره خلاصة طبيعية لمسار نضال الثورة السورية، التي قدّمت منذ انطلاقتها مشروعاً وطنياً طموحاً يستند إلى قيم المواطنة الجامعة، والحقوق المتساوية، ورفض منطق الإقصاء والاستثناء. ومن هذا المنطلق، يأتي المرسوم ترجمة سياسية وقانونية لهذا المشروع، واستجابة مباشرة لنضال الوطنيين السوريين من الكرد، أمثال مشعل تمو ورفاقه، الذين انحازوا إلى سوريا الواحدة، ورفضوا اختزال القضية الكردية في أدوات العنف أو التمثيل القسري.
هذا المرسوم في النهاية، يعبّر عن رؤيةٍ لمنطق “الدولة” بدلاً من رؤية “جماعة” وهو ترجمة حرفيّة أولى لقيم المواطنة التي لطالما تحدّثت عنها الحكومة السورية الجديدة عقب سقوط الأسد، وسيحسب خطوة تاريخية لمن قام بها، ولمن كانت من حقه لعقودٍ طويلة، مع ذلك هو لا منة ولا فضل بل واجب وخطوة ضرورية لمن يريد بناء سوريا الجديدة وطناً جامعاً لكلّ السوريين، وإزالة كلّ المعوقات الأمنية والسياسية التي عملت بحرصٍ على استثمار المكون الكردي. قراراً يمثّل قطيعة تامة مع منطق الاستبداد، وإحياء لمنطق المواطنة.


