مدونات

من التهميش إلى الاعتراف الرسمي

يناير 16, 2026

من التهميش إلى الاعتراف الرسمي

محمد أبو حلقة

ليس من السهل تجاهل الدلالات العميقة للمرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، ليس فقط بسبب ما تضمنه من موادٍ قانونية واضحة، بل لما يحمله من رسائل سياسية واجتماعية تتجاوز نصوصه المكتوبة. 

فهذا المرسوم، في جوهره، لا يقتصر على تنظيم شأن ثقافي أو لغوي، بل يلامس أحد أكثر الملفات حساسية في التاريخ السوري الحديث: ملف العلاقة بين الدولة والمكوّن الكردي، وما تراكم حوله من تهميش في حكم النظام البائد وسوء إدارة لعقود طويلة.

الاعتراف الصريح بالمواطنين السوريين الكرد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، كما ورد في المادة الأولى، قد يبدو للبعض أمراً بديهياً لا يحتاج إلى مرسوم. 

لكنّه في الواقع اعتراف متأخر، جاء بعد سنوات من الإنكار السياسي والتعامل الأمني مع قضية اجتماعية وثقافية بامتياز. ولذلك، فإنّ أهم ما في هذا النص ليس لغته القانونية، بل كسره لحاجز الصمت الرسمي، وإقراره بأنّ الهوية السورية ليست أحادية، بل متعددة ضمن إطار وطني واحد.

اللافت في المرسوم أنّه حاول إلى حدّ كبير تحقيق توازن دقيق بين الاعتراف بالتنوع من جهة، والتأكيد على السيادة الوطنية من جهةٍ أخرى. فحماية اللغة والثقافة الكردية، والسماح بتدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية، جرى ربطه بشكلٍ واضح بالإطار الوطني، في رسالةٍ موجهة إلى الداخل والخارج مفادها أنّ التنوع لا يعني التفكك، وأنّ الاعتراف لا يعني التفريط بوحدة الدولة.

لكن، رغم أهمية هذه الخطوات، يبقى السؤال الجوهري: هل يكفي إصدار مرسوم لتغيير واقع اجتماعي وسياسي تشكّل عبر عقود؟ التجربة السورية، كما تجارب دول أخرى، تقول إنّ النصوص وحدها لا تصنع التحوّل، ما لم تُترجم إلى سياساتٍ تنفيذية واضحة، وإرادة مؤسساتية حقيقية، ومناخ عام يسمح ببناء الثقة.

المادة المتعلقة بإلغاء آثار إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة تُعدّ من أكثر مواد المرسوم حساسية وأهمية. فهذا الإحصاء لم يكن مجرّد إجراء إداري، بل كان سبباً مباشراً في حرمان الكثير من الكُرد من أبسط حقوقهم كمواطنين. ومعالجة هذا الملف اليوم، وإن جاءت متأخرة، تحمل قيمة أخلاقية وقانونية كبيرة، لكنّها في الوقت نفسه تضع الدولة أمام اختبار صعب: هل ستُدار هذه العملية بشفافية وعدالة، أم ستتحوّل إلى إجراء شكلي محدود الأثر؟

أمّا اعتبار عيد النوروز عطلة رسمية، فهو قرار رمزي بامتياز. والرمزية في السياسة ليست أمراً ثانوياً بل أداة مؤثرة في بناء الشعور بالانتماء. حين تعترف الدولة بعيد ثقافي لمكوّن من مكوّنات شعبها، فهي تقول ضمنياً إنّ هذا الفرح ليس خاصاً بفئة، بل جزء من الذاكرة الوطنية العامة. غير أنّ الرمزية، مرة أخرى، تحتاج إلى بيئةٍ تحترم التعدد فعلاً، لا أن تكتفي بتكريسه في المناسبات.

في المحصلة، يمكن النظر إلى هذا المرسوم بوصفه خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنّها ليست نهاية الطريق. هو إعلان نوايا قانوني مهم، يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس المواطنة لا الانتماء الضيق، وعلى أساس الحقوق لا الامتيازات. غير أنّ نجاحه الحقيقي سيقاس بقدرته على الصمود أمام التطبيق، وبما إذا كان سيُستكمل بخطواتٍ أوسع تشمل جميع السوريين دون استثناء!

سوريا اليوم، وهي تحاول لملمة جراحها، بحاجة إلى عقدٍ اجتماعي جديد لا يُقصي أحداً، ولا يخشى الاعتراف بالأخطاء، ولا يتعامل مع التنوع بوصفه تهديداً. وإذا كان هذا المرسوم بداية لذلك المسار، فإن قيمته الحقيقية ستظهر حين يتحوّل من نصّ رسمي إلى واقعٍ ملموس في حياة الناس.

 

شارك

مقالات ذات صلة